مقالات

العالم يستعد للطوارئ… لماذا تطلب الحكومات من مواطنيها تخزين الغذاء والماء؟

العالم يستعد للطوارئ… لماذا تطلب الحكومات من مواطنيها تخزين الغذاء والماء؟

بقلم الإعلامية نرجس قدا

في مشهد يستحق التوقف والتأمل، بدأت عدة حكومات حول العالم تعيد التأكيد على ضرورة استعداد الأسر لمواجهة الأزمات والطوارئ، من خلال توفير احتياجات أساسية من الغذاء والماء والأدوية داخل المنازل، تكفي لفترة قد تصل إلى 72 ساعة، أي ثلاثة أيام متواصلة.

ولم يعد الحديث عن حقيبة الطوارئ مجرد نصيحة عابرة، بل أصبح جزءاً من خطط الاستعداد المدني التي تتبناها حكومات ومؤسسات رسمية، في ظل عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية، ومخاطر الهجمات الإلكترونية، والكوارث الطبيعية، والاضطرابات التي قد تصيب البنية التحتية وسلاسل الإمداد.

بريطانيا تطلق حملة جديدة للاستعداد

في 22 أكتوبر 2026، أطلقت الحكومة البريطانية حملة توعوية بعنوان «Be Ready»، دعت من خلالها الأسر إلى الاحتفاظ بمؤونة تكفي ثلاثة أيام، تشمل المياه والأطعمة طويلة الصلاحية، إلى جانب المصابيح والبطاريات وأجهزة الراديو وشواحن الهواتف.

وتوصي الحملة بتوفير ثلاثة لترات من مياه الشرب يومياً لكل شخص، أي تسعة لترات للفرد خلال ثلاثة أيام، مع مراعاة الاحتياجات الإضافية للطهي والنظافة.

وتأتي هذه الخطوة في إطار الاستعداد لاحتمالات تعطل الخدمات الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه والاتصالات، نتيجة الطقس القاسي أو الهجمات الإلكترونية أو التهديدات التي قد تستهدف البنية التحتية.

فرنسا والاتحاد الأوروبي… الاستعداد لم يعد خياراً هامشياً

وفي فرنسا، توجد توصيات رسمية بإعداد حقيبة طوارئ تكفي 72 ساعة، تضم المياه والأطعمة غير القابلة للتلف والأدوية والإسعافات الأولية ومصادر الإضاءة والاتصال.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد أطلق في 26 مارس 2025 استراتيجية الاستعداد للأزمات، تضمنت تشجيع المواطنين على الاحتفاظ بالاحتياجات الأساسية لمدة لا تقل عن 72 ساعة، في مواجهة مجموعة واسعة من المخاطر، من النزاعات والتوترات الجيوسياسية إلى التهديدات السيبرانية والتغير المناخي والكوارث الطبيعية.

وهذا يعني أن الاستعداد لم يعد مرتبطاً بنوع واحد من الأزمات، وإنما أصبح توجهاً شاملاً لحماية المجتمعات وتقليل اعتمادها الفوري على خدمات الطوارئ في الساعات الأولى من وقوع أي أزمة.

وماذا عن الولايات المتحدة الأمريكية؟

في الولايات المتحدة، تنصح الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA) المواطنين منذ سنوات بإعداد مستلزمات طوارئ تكفي ثلاثة أيام على الأقل، تشمل المياه والغذاء والأدوية ومستلزمات الإسعافات الأولية والبطاريات وأجهزة الراديو.

كما توصي الجهات الأمريكية المختصة بوجود أطعمة لا تحتاج إلى التبريد أو الطهي، تحسباً لانقطاع الكهرباء أو تعطل الخدمات خلال الكوارث.

ومن المهم التمييز هنا بين التوجيهات الرسمية المستمرة وبين التصريحات الشخصية التي يتداولها بعض المسؤولين السابقين أو الإعلاميين؛ فليست كل دعوة إلى تخزين المؤونة إعلاناً حكومياً عن خطر وشيك.

لماذا الآن؟ وما الذي تخشاه الحكومات؟

إن تعدد المخاطر التي تواجه العالم يجعل الاستعداد المسبق ضرورة في نظر المؤسسات المختصة. فالحروب قد تؤثر في طرق التجارة، والهجمات الإلكترونية قد تعطل خدمات حيوية، والكوارث الطبيعية قد تقطع الطرق وتؤخر وصول الإمدادات.

ولا يعني ذلك أن اندلاع حرب عالمية أو وقوع مجاعة أصبح أمراً مؤكداً، كما لا توجد في هذه التوصيات وحدها أدلة على أن الحكومات تمتلك معلومات عن كارثة وشيكة. لكنها تعكس إدراكاً متزايداً لمدى هشاشة الحياة اليومية عندما تتوقف الخدمات التي يعتمد عليها الإنسان.

السؤال الإنساني الأهم: ماذا عن الفئات التي لا تستطيع تخزين قوت يومها؟

بينما تطلب الحكومات من مواطنيها تأمين احتياجاتهم لثلاثة أيام أو أكثر، تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي الفجوة بين من يستطيع الاستعداد للأزمات ومن لا يستطيع توفير احتياجاته الأساسية أصلاً.

فالأمن الغذائي ليس مجرد امتلاك مخزون منزلي، بل هو قدرة كل إنسان على الوصول إلى غذاء كافٍ وآمن ومناسب، حتى في أصعب الظروف.

وهنا تقع مسؤولية الحكومات في ضمان استمرارية الإمدادات، وحماية الفئات الهشة، ومنع الاحتكار والمضاربة، ووضع خطط واضحة تضمن وصول الغذاء والماء إلى الجميع.

العالم لا يحتاج إلى مزيد من الخوف… بل إلى مزيد من الوعي والاستعداد.

إن الرسالة التي ينبغي أن نفهمها من هذه التوجيهات ليست أن الكارثة قادمة غداً، بل أن العالم أصبح أكثر وعياً باحتمالات الأزمات، وأن الاستعداد المبكر قد يصنع الفارق بين مجتمع قادر على تجاوز المحنة وآخر يجد نفسه أمام أزمة مضاعفة.

فحين يصبح الماء والغذاء ضمن أولويات خطط الأمن القومي، علينا أن ندرك أن حماية لقمة عيش الإنسان ليست قضية اقتصادية فحسب، بل قضية أمن واستقرار وكرامة إنسانية.

بقلم الإعلامية نرجس قدا

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى