حين يصبح الآخر هو العدو

حين يصبح الآخر هو العدو
بقلم الإعلامية نرجس قدا
هناك أشياء خطيرة لا تبدأ بصوت مرتفع ولا تأتي دائمًا في صورة جريمة واضحة، فأحيانًا تبدأ بكلمة عابرة أو بصورة ساخرة أو بتعميم ظالم أو بجملة تُقال ثم تُعاد حتى تفقد قدرتها على الصدمة، فيصبح ما كان مرفوضًا بالأمس جزءًا من الكلام اليومي، وهكذا يبدأ خطاب الكراهية.
المشكلة ليست في الكلمة وحدها، وإنما في الطريق الذي يمكن أن تسلكه داخل عقل الإنسان. تبدأ بفكرة عن الآخر، ثم تتحول الفكرة إلى حكم، والحكم إلى صورة نمطية، والصورة النمطية إلى رفض، والرفض حين يتغذى بالخوف والتحريض يمكن أن يتحول إلى تمييز وإقصاء، وفي مراحل أكثر خطورة قد يصل إلى العنف. ولهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية ليست معركة ضد الكلمات بقدر ما هي معركة ضد الفكرة التي تجعل الإنسان يرى إنسانًا آخر أقل منه قيمة لأنه مختلف عنه.
نحن نعيش في مجتمعات أصبح فيها الاختلاف جزءًا طبيعيًا من الحياة. الأديان والثقافات والهويات تتجاور في المدينة الواحدة، وفي مكان العمل الواحد، وفي المدرسة الواحدة، وعلى الشاشة نفسها. لكن المفارقة أن وسائل التواصل التي جعلت العالم أكثر قربًا لم تجعل البشر بالضرورة أكثر فهمًا لبعضهم البعض. أصبحنا نعرف عن الآخر أكثر، لكننا لا نعرفه بالضرورة بصورة أعمق.
المعلومة يمكن أن تقرّب الإنسان من الحقيقة، لكنها يمكن أيضًا أن تُستخدم لصناعة صورة كاذبة عن الآخر. منشور واحد قادر على اقتطاع حدث من سياقه، وصورة واحدة قادرة على صناعة انطباع، ومقطع قصير قادر على تحويل خلاف محدود إلى غضب جماعي. ومع سرعة انتشار المحتوى الذي يثير الانفعال، يصبح الغضب مادة سهلة التداول، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت حتى تُفهم وتُتحقق.
ولهذا لم يعد خطاب الكراهية مجرد مشكلة اجتماعية عابرة، بل أصبح جزءًا من معركة أكبر حول الصورة التي تتشكل في أذهان الناس عن الآخرين، ومن يملك القدرة على التأثير فيها.
المشكلة أيضًا أن الكراهية لا يصنعها دائمًا شخص يعرف أنه يحرض. أحيانًا يكون الإنسان مجرد ناقل لمعلومة لم يتحقق منها، أو يعيد نشر محتوى لأنه وافق غضبه، أو لأنه وجد فيه ما يؤكد فكرة سابقة يحملها عن جماعة معينة. وهنا تصبح المسؤولية أكثر تعقيدًا، لأن مواجهة الكراهية لا يمكن أن تقوم فقط على حذف المحتوى بعد انتشاره، وإنما تحتاج إلى بناء وعي يجعل الإنسان يسأل قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويفكر قبل أن يحكم.
ولهذا يبدأ العلاج من التربية. فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن اختلاف الدين أو اللغة أو الثقافة لا يجعل إنسانًا أفضل من إنسان آخر، سيكون أكثر قدرة على التعامل مع الاختلاف عندما يكبر. والمدرسة التي تعلم احترام الآخر لا تربي طالبًا فقط،
إنما تساهم في بناء




