نهى عراقي تكتب..الحركات الطلابية غير المسؤولة
الحركات الطلابية غير المسؤولة
بقلم: نهى عراقي
ما يحدث حولنا في بعض الدول من حركات طلابية تُعرف باسم «جيل Z»، وما أحدثته من تأثير في الرأي العام، وأثارته من نقاش حول فكر هذا الجيل وتوجهاته، يطرح العديد من التساؤلات.
إن اعتراض الشباب واحتجاجهم ومطالبتهم بالتطوير والتغيير أمر مشروع، ومن حقهم التعبير عن آرائهم والمطالبة بمستقبل أفضل، لكن المشكلة تبدأ حين لا يستمعون إلا إلى أصواتهم، وينجرفون نحو أعمال التخريب والشغب. فهل لن يتحقق التغيير إلا بتخريب الوطن والاعتداء على ممتلكات المواطنين الذين لا ذنب لهم فيما يحدث؟
إن الدول لا تحتاج إلى أعمال العنف والاشتباك مع قوات الأمن، أو تدمير تراث الوطن وتاريخه، بل تحتاج إلى فكر واعٍ قادر على إحداث التغيير من خلال القنوات الشرعية، وفتح جسور التواصل التي تقوم على الحكمة والوعي والحوار والمناقشة الرصينة.
نعم، نحن بحاجة إلى التطوير، وإلى أن تصل أصواتنا إلى من يملكون زمام الأمور ومقدرات البلاد، لكن الطريق إلى ذلك يجب أن يكون سلميًّا، وأن نواجه الفكر بالفكر، والحجة بالحجة.
فالتغيير يحتاج إلى شباب واعٍ، قادر على تحويل الغضب والاحتجاج إلى أفكار مبتكرة ومقترحات عملية وحلول واقعية، وإلى المشاركة الديمقراطية الواعية، والاتحاد حول أهداف إيجابية مشتركة، بما يسهم في صناعة قيادات حكيمة ومبدعة في مختلف مناحي الحياة.
ومن حق كل إنسان أن يعتنق أفكارًا مغايرة، وأن يدافع عن قناعاته، لكن ينبغي أن تظل قيم الوطن ومصلحته والصالح العام في المقام الأول، جنبًا إلى جنب مع الكرامة الإنسانية والعدالة والتضامن والاحترام.
عبّروا عن آرائكم، وطالبوا بحقوقكم، لكن لا تسمحوا للعنف بأن يُخيّم كسحابة سوداء على مطالبكم وأحلامكم، فهي حقوق مشروعة لكل مواطن، ولا ينبغي أن تتحول المطالبة بها إلى اعتداء على حقوق الآخرين.
مارسوا الحرية مقترنة بالإبداع، وبمفهومها الصحيح؛ فالحرية لا تقتصر على الإدلاء بالأصوات أمام صناديق الاقتراع، بل هي مسؤولية يومية وسلوك يعكس وعي الإنسان ونضجه. وحرية الرأي حين تقترن بالمسؤولية تصبح قوة دافعة نحو الإبداع والتطوير؛ فالحرية والإبداع وجهان لعملة واحدة.
إن هؤلاء الذين يلجأون إلى التخريب يعانون من مشكلة تتمثل في ضعف إدراكهم للمسؤولية، وعدم قدرتهم على التمييز بين الواقع الافتراضي وواقع الحياة، وبين حرية التعبير وحدودها. وهو ما قد يدفع بعضهم إلى الاعتداءات الجماعية وأعمال العنف، كما شهدنا في بعض الأحداث.
وتُعد هذه الظاهرة معقدة، إذ تعكس خللًا في فهم القواعد الاجتماعية واحترام حقوق الآخرين، وقد تكشف عن مواطن ضعف في الوعي والسلوك، تستدعي المعالجة والفهم، لا الاكتفاء بالإدانة.
ومن هنا، تبرز ضرورة تهيئة مسارات تربوية ومجتمعية تتيح للشباب التعبير عن أنفسهم بصورة إيجابية، وتساعدهم على تحقيق الاستقلالية وتحمل المسؤولية، وتنمية قدراتهم على المشاركة الفاعلة في المجتمع، بما يعيد إليهم الثقة والأمل في مستقبل أفضل وبنّاء.





