مقالات

في زمنٍ يُعاقَب فيه الشرف… وتُكافأ فيه الجرأة على الخطأ

في زمنٍ يُعاقَب فيه الشرف… وتُكافأ فيه الجرأة على الخطأ

بقلم / دكتوره نرجس قدا

لم أكن أتصور يومًا أن أصعب اختيار قد يواجه إنسان… هو أن يظل نظيفًا. كنا نُربّى على أن الحلال طريق واضح، وأن من يتمسك به يصل، حتى لو تأخر قليلًا. لكن ما لم يخبرنا به أحد… أن هذا الطريق نفسه قد يتحول إلى معركة يومية، مع النفس ومع الناس ومع واقع لم يعد يشبه ما تعلمناه.

أتحدث هنا عن فتاة… قد تكون أنا، أو أنتِ، أو أي واحدة مرت من نفس التجربة. فتاة لم يكن جمالها يومًا وسيلتها، بل كان عبئًا يُضاف إلى مسؤولياتها. فتاة تعب أهلها عليها، علموها، راهنوا على عقلها، وانتظروا لحظة أن تقف على قدميها وترد لهم جزءًا من هذا الجميل. كبرت وهي مؤمنة أن الشغل الشريف كفاية، وأن الاجتهاد وحده قادر يفتح الأبواب.

لكن حين خرجت للحياة… اكتشفت أن الأبواب ليست كلها تُفتح بالمفاتيح التي نملكها.

ذهبت تبحث عن عمل، تحمل شهادتها وثقتها بنفسها، تدخل مقابلات العمل بكامل تركيزها، تتحدث عن خبرتها، عن طموحها، عن قدرتها على العطاء… لكنها تخرج بشعور غريب. شعور بأن الحديث لم يكن معها كاملًا، وأن هناك شيئًا آخر كان يُقاس… دون أن يُقال.

بمرور الوقت، تبدأ التفاصيل الصغيرة تتكشف. نظرات أطول من اللازم، جمل تبدو عادية لكنها تحمل ما لا يُقال، تلميحات تُترك معلقة في الهواء، وكأن هناك اتفاقًا صامتًا يجب أن تفهمه دون أن يُشرح لها. وهنا تبدأ الحيرة… هل المشكلة فيها؟ أم في العالم الذي دخلته؟

تعود إلى بيتها وهي تحمل سؤالًا أثقل من التعب نفسه: هل اختيار الحلال يكفي فعلًا؟ أم أن الطريق أصبح مشروطًا بأشياء لم تكن يومًا جزءًا من قناعاتها؟

الصراع لا يكون في الخارج فقط… بل في داخلها. صوت يذكّرها بتعب أهلها، بحلمها، بكرامتها، وصوت آخر يهمس لها بأن الحياة لم تعد تحتمل هذا القدر من الصمود. ليس لأنها تريد أن تخطئ… بل لأنها تعبت من المقاومة المستمرة، من الشعور أنها تُختبر كل يوم في شيء لم تختره.

والمؤلم في الأمر… أن الحلال نفسه لم يعد نقيًا كما كان. لم يعد طريقًا مستقيمًا واضح المعالم، بل أصبح مليئًا بالتنازلات الصغيرة التي يُقال عنها “ضرورية”، وبضغوط نفسية لا تقل قسوة عن الخطأ نفسه. فتجد الفتاة نفسها في منطقة رمادية… لا هي ارتاحت، ولا هي انكسرت بالكامل.

هنا لا نتحدث عن ضعف… بل عن استنزاف. عن إنسان يُحاول أن يبقى كما هو، في عالم يدفعه أن يكون شيئًا آخر.

ما يحدث ليس حالة فردية، بل صورة تتكرر. خلل في معايير العمل، في نظرة بعض الناس للمرأة، في غياب الرقابة، وفي صمت مجتمع اعتاد أن يرى ولا يتدخل. ومع الضغط الاقتصادي، يصبح الرفض رفاهية، والثبات معركة مكلفة.

والنتيجة؟ إنهاك نفسي، فقدان ثقة، وأسئلة لا تجد إجابة. فتاة كانت تدخل الحياة وهي مرفوعة الرأس… تبدأ تسأل نفسها إلى متى ستستطيع أن تصمد. ليس لأنها ضعيفة… بل لأن الطريق أصبح أطول مما ينبغي، وأقسى مما يجب.

لكن الحقيقة التي لا يجب أن تضيع وسط كل هذا… أن المشكلة لم تكن يومًا في الفتاة التي اختارت أن تبقى نظيفة. المشكلة في واقع لم يعد يكافئ هذا الاختيار كما يستحق. في مجتمع يطالب بالقيم، لكنه لا يحمي من يتمسك بها.

نحن لا نحتاج فقط إلى فرص عمل… بل إلى بيئة تحترم الإنسان قبل أي شيء. إلى قوانين تُطبق، لا تُكتب فقط. إلى وعي يعيد للمرأة قيمتها كعقل وكفاءة، لا كصورة. إلى دعم حقيقي لكل فتاة تخوض هذه المعركة في صمت.

وكلمة إلى كل فتاة وجدت نفسها في هذا الطريق: أنتِ لستِ مخطئة لأنكِ تعبتِ، ولستِ ضعيفة لأنكِ تساءلتِ. أنتِ فقط إنسانة تحاول أن تحافظ على نفسها في زمن أصبح فيه ذلك أصعب مما يجب. قد يكون الطريق مرهقًا، نعم… لكنه الشيء الوحيد الذي سيترككِ قادرة أن تنظرِي لنفسكِ دون انكسار.

وفي عالم يساومكِ على نفسك… أحيانًا يكون الرفض… هو أعظم نجاح.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى