فاطمة الزهراء المنصوري… حين تكتب المرأة المغربية صفحة جديدة من تاريخ وطنها

فاطمة الزهراء المنصوري… حين تكتب المرأة المغربية صفحة جديدة من تاريخ وطنها
بقلم الإعلامية نرجس قدا
هناك لحظات لا تمرّ علينا كخبر عابر، لأن بعض الأخبار لا تُقرأ فقط… بل تُشعرنا بأن صفحة جديدة قد فُتحت.
ومن هذه اللحظات، تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية يوم 29 سبتمبر 2026، لتصبح أول امرأة مغربية تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة. وقد جاء التعيين بقرار ملكي، وفق الفصل 47 من الدستور، مع تكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
وبالنسبة لي كامرأة مغربية، لا أستطيع أن أنظر إلى هذه اللحظة باعتبارها مجرد تغيير في موقع سياسي.
أنا أراها من زاوية أخرى…
زاوية المرأة المغربية التي وصلت، بعد سنوات طويلة من الحضور والعمل والعطاء، إلى واحدة من أعلى مواقع المسؤولية في الدولة.
وأقولها بكل اعتزاز:
نعم… أنا أفتخر.
أفتخر بفاطمة الزهراء المنصوري كامرأة مغربية وصلت إلى هذا الموقع، وأفتخر قبل ذلك بكل امرأة مغربية كانت تمهّد لهذا الطريق دون أن تعرف أنها تمهّده.
أفتخر بالأم التي صنعت أجيالًا، وبالمعلمة التي صنعت عقولًا، وبالطبيبة التي أنقذت حياة، وبالمهندسة التي بنت، وبالقاضية التي حكمت بالعدل، وبالصحفية التي حملت الكلمة، وبالفنانة التي حملت صوت المغرب إلى العالم، وبكل امرأة مغربية تعمل في صمت ولا تبحث عن التصفيق.
فالمرأة المغربية لم تبدأ حكايتها اليوم.
اليوم فقط، أخذت الحكاية عنوانًا جديدًا.
وفاطمة الزهراء المنصوري ليست مجرد اسم في منصب؛ فهي سبق أن تولت رئاسة جماعة مراكش، وكانت وزيرة مكلفة بإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، قبل أن تصل إلى رئاسة الحكومة.
وهنا تكمن قيمة اللحظة.
أن تصل امرأة مغربية إلى هذا الموقع بعد مسار من العمل والمسؤولية، فهذا يعني أن الحديث عن المرأة لم يعد مجرد حديث عن حقها في الحضور، وإنما أصبح حديثًا عن حضورها الفعلي في مواقع صناعة القرار.
لكنني لا أريد أن أختزل المرأة المغربية في منصب.
فالمرأة أكبر من الكرسي، وأكبر من اللقب، وأكبر من الصورة التي تلتقطها الكاميرات.
المنصب ينتهي يومًا ما…
أما قيمة الإنسان فيما يتركه وراءه، فهي التي تبقى.
ولهذا فإن فرحتنا اليوم لا ينبغي أن تكون فقط لأن امرأة أصبحت رئيسة للحكومة، وإنما لأن هذه اللحظة تفتح سؤالًا أكبر:
إلى أين يمكن أن تصل المرأة المغربية غدًا؟
وهذا السؤال ليس تحديًا للرجل، ولا منافسة بين الرجل والمرأة.
فالوطن لا يُبنى بنصفه ضد نصفه الآخر.
الوطن يُبنى برجاله ونسائه معًا.
والمرأة المغربية لا تحتاج إلى أن تثبت أنها أفضل من الرجل حتى تستحق مكانها، كما أن الرجل لا يخسر شيئًا عندما تنجح امرأة إلى جواره.
النجاح ليس معركة بين الجنسين.
النجاح مسؤولية تجاه الوطن.
ولهذا، فإنني أرى في وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة رسالة تتجاوز شخصها:
رسالة تقول للفتاة المغربية الصغيرة التي تنظر اليوم إلى المشهد: لا تضعي سقفًا لحلمك فقط لأنك امرأة.
ادرسي.
اعملي.
اجتهدي.
واجعلي كفاءتك هي اللغة التي تتحدثين بها.
أما الوصول، فله أبوابه وطرقه وتوقيته.
لكن الحلم نفسه… لا ينبغي أن يكون له سقف.
واليوم، حين نقول إن المغرب عرف أول رئيسة حكومة في تاريخه، فنحن لا نكتب فقط اسم امرأة في كتاب السياسة المغربية.
نحن نكتب اسم المرأة المغربية في مساحة جديدة من المشهد.
ومن هنا، أقول لفاطمة الزهراء المنصوري، بكل احترام واعتزاز:
أنتِ اليوم لا تحملين لقب رئيسة الحكومة فقط… بل تحملين أيضًا صورة امرأة مغربية ينظر إليها كثيرون باعتبارها عنوانًا لمرحلة جديدة.
والصورة الجميلة لا تكتمل بالكلمات.
تكتمل بالعمل.
فالمنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا، والنجاح الحقيقي ليس في أن تكوني الأولى فقط، وإنما في أن يكون لهذا السبق أثرٌ يليق بالثقة والمسؤولية.
أما نحن، كنساء مغربيات، فمن حقنا أن نفرح.
ومن حقنا أن نفتخر.
ومن حقنا أن نقول بصوت واضح، من دون مبالغة ومن دون شعارات:
هذه امرأة مغربية وصلت إلى رئاسة الحكومة… وهذه لحظة نفتخر بها.
ولأنني أؤمن أن الأوطان لا تُبنى بالرجال وحدهم ولا بالنساء وحدهن، وإنما بكل من يحمل مسؤولية الوطن بصدق، فإنني أتمنى أن تكون هذه الصفحة الجديدة بداية لمساحات أوسع للكفاءة والعمل والعطاء.
فاطمة الزهراء المنصوري اليوم في موقع تاريخي.
والتاريخ سجّل بالفعل أنها أول امرأة مغربية تتولى رئاسة الحكومة.
أما ما سيُكتب بعد ذلك…
فسيكتبه العمل.
وعاشت المرأة المغربية… حاضرة، قادرة، ومعتزة بمغربها.





