حين تسقطُ قيمةُ الشهادة أمامَ ذئابِ المناصب

حين تسقطُ قيمةُ الشهادة أمامَ ذئابِ المناصب
بقلم الإعلامية: د. نرجس قدا
في آخرِ الليل… تعودُ الفتاةُ من جامعتها تحملُ كتبها بين ذراعيها، بينما تبقى عينا والديها معلّقتين بها، كأنها تحملُ فوق كتفيها حلمَ أسرةٍ كاملة. سنواتٌ من التعب، والسهر، والخوف، والدعوات، والحرمان… حتى تصلَ إلى تلك اللحظة التي تمسكُ فيها شهادتها بفخرٍ وتقول: «لقد وصلت». لكنّ الصدمة الحقيقية لا تبدأُ في مقاعد الدراسة… بل تبدأُ بعد النجاح.

تدخلُ أبوابَ العمل وهي تظنّ أن العلمَ وحده يكفي لفتح الأبواب، فتكتشفُ أنّ بعضَ الأبواب لا تُفتح بالكفاءة… بل بانكسار الكرامة. تكتشفُ أنّ هناك ذئابًا ترتدي ربطاتِ العنق، تتحدثُ باسم «الفرصة»، بينما تُخفي خلف كلماتها ابتزازًا قذرًا لا يمتّ للإنسانية بصلة. يهمسون لها بصوتٍ خافت: «إن لم تكن لديكِ واسطة… فعليكِ أن تدفعي الثمن بطريقةٍ أخرى».
أيُّ زمنٍ هذا الذي تُهانُ فيه الشهادات أمام نزوات البشر؟ أيُّ مجتمعٍ هذا الذي يصفّق للمتفوّقات في حفلات التخرّج، ثم يرمي بهنّ في مستنقع التحرّش والابتزاز عندما يطلبنَ حقّهنّ في العمل؟ وكأنّ الفتاة لا يكفيها خوفُ الطريق، ولا تعبُ الدراسة، ولا قسوةُ الحياة… حتى تُجبرَ أيضًا على الدفاع عن جسدها كلّ يوم كي تحصل على وظيفةٍ تستحقّها بعقلها واجتهادها.
التحرّشُ في أماكن العمل ليس «موقفًا عابرًا»… بل جريمةٌ تقتلُ الثقة، وتكسرُ الروح، وتجعلُ المرأة تشعرُ أنّ سنواتِ تعبها قد تتحوّل في لحظةٍ إلى صفقةٍ مهينة. والمؤلم أكثر… أنّ البعض يصمت، والبعض يبرّر، والبعض يتعامل مع الأمر وكأنّه جزءٌ طبيعيّ من طريق النجاح. لا… ليس طبيعيًا أبدًا. فالطبيعي أن تُحترم المرأةُ لعقلها وكفاءتها، لا أن تُختبر كرامتُها قبل توقيع عقد العمل.
كم من فتاةٍ عادت إلى منزلها تبكي بصمتٍ حتى لا تُحطّم قلبَ والديها اللذين أفنيا عمرهما ليمنحاها فرصةَ التعليم؟ وكم من فتاةٍ دفنت حلمها لأنها رفضت أن تدفع «الثمن القذر»؟ وكم من فاسدٍ جلس على كرسيّ السلطة متوهّمًا أنّ حاجة الناس تمنحه الحقّ في امتهان كراماتهم؟
العارُ ليس على الفتاة التي رفضت فضاعت فرصتها… بل العار على مجتمعٍ يجعل الشريفات يخسرن لأنهنّ شريفات. العار على كلّ مسؤولٍ يرى التحرّش والابتزاز ثم يلوذ بالصمت. العار على كلّ مكانِ عملٍ يحوّل المرأة من إنسانةٍ تحملُ شهادةً وطموحًا إلى فريسةٍ تُساوَم على كرامتها.
فالفتاةُ لم تدرس لتُهان، ولم تسهر الليالي لتُساوِم على جسدها، بل خرجت لتعمل، لتنجح، لتصنع لنفسها مكانًا كريمًا في هذا العالم… لا لتدخل معركةً يوميّة تدافع فيها عن إنسانيتها.
وسيأتي يومٌ… ترتفعُ فيه أصواتُ اللواتي أُجبرنَ على الصمت، ويُدرك الجميع أنّ المرأة التي قاتلت لتصل، لن تبقى خائفةً إلى الأبد من ذئاب المناصب والكراسي.




