مقالات

بعد 56 عاماً من الرحيل لماذا يبقى جمال عبدالناصر؟

بعد 56 عاماً من الرحيل
لماذا يبقى جمال عبدالناصر؟

أحمد سلامة التهامي

يبقى الإنسان خالداً بما قدم في حياته، يبقى الإنسان خالداً بالأثر الذي يتركه، ويبقى الإنسان خالداً بالحب الصادق الذي يكنه الآخرون له. وعندما تتأمل في التاريخ الحديث، سوف تدرك أن هناك رؤساء وحكام يرحلون بأجسادهم فتطوى سيرتهم في دفاتر النسيان، وهناك قلة نادرة يرفض التاريخ أن يطوي صفحاتهم، بل يظل حضورهم مستمراً وملهماً وصاخباً وكأنهم رحلوا بالأمس القريب.
ولعل المشهد الأبرز الذي تجسد في جنازته التاريخية —حين خرجت ملايين البشر في طوفان بشري هادر تكسوه الدموع والهتافات العفية لتودعه بصدق منقطع النظير— كان التجسيد الحي لعمق ذلك الارتباط؛ إذ لم تكن مجرد تشييع لجثمان حاكم، بل كانت إعلاناً مبكراً عن خلود رجل سكن وجدان أمته.

والزعيم الراحل جمال عبد الناصر أحد هؤلاء الذين بقيت سيرتهم وذكراهم خالدة وراسخة؛ ليست في الذاكرة المصرية والعربية وحسب، بل في ذاكرة الإنسانية جمعاء. إذ يعد النموذج الأكثر تجسيداً لهذه المفارقة، فرغم مرور ستة وخمسين عاماً على رحيله في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، يظل اسمه حاضراً بقوة في قلب المشهد السياسي والاجتماعي، وتستدعيه الشعوب العربية في المحن التي تتعرض لها، لا بوصفه شخصاً نائياً في كتب التاريخ، بل كمرجعية حية ومعيار متجدد، ليبقى سؤال احتار الجميع في إجابته: لماذا بقي عبد الناصر كل هذا الزمن؟

عندما يرتبط الحاكم بمشروع وطني وتغيرات جذرية في بنية المجتمع كالتعليم المجاني، الإصلاح الزراعي، الصناعة الثقيلة، السد العالي، والاستقلال الوطني ودعم حركات التحرر، فإنه يتحول تلقائياً من مجرد حاكم إلى “زعيم” وهو ما تجسد بامتياز في تجربة جمال عبد الناصر.

فلم يكن التأييد الشعبي موجهاً لشخص جمال عبد الناصر فحسب، بقدر ما كان انحيازاً جذرياً لمشروع الدولة الاجتماعية بكل تجلياته ومكتسباته؛ إذ إن الأثر العميق الذي تركـه في تفكيك البنى القديمة، وتذويب الفوارق الطبقية وبناء طبقة وسطى وشعبية جديدة، جعل من سيرته نسيجاً متداخلاً مع هوية الملايين ومصالحهم اليومية.

ومن هنا تظل المعركة حول إرثه في عمقها معركة حول حاضر ومستقبل الوطن؛ فأنصاره يستدعونه بحثاً عن مظلة “العدالة الاجتماعية” و”الاستقلال الوطني”، بينما يهاجمه خصومه للسبب ذاته، من أجل تفريغ الوعي الجمعي من فكرة أن الدولة يمكن أن تكون حامية للطبقات الشعبية ودرعاً لها. إن استدعاء ناصر في هذه الظروف يظل في كثير من الأحيان صرخة احتجاج اقتصادية واعية، وليس مجرد حنين عاطفي لزمن مضى.

ويتعاظم هذا الحضور في حالة “الفراغ البديل”؛ إذ إن جانباً كبيراً من استمرار حضور ناصر الإيجابي وخصوصاً بين الأجيال التي لم تعاصره ولم تدرك حقبته يعود إلى التباين المستمر في الواقع الذي تعيشه. فكلما شعرت الأجيال بتراجع شبكات الأمان الاجتماعي أو انحسار دور الدولة الحاضنة، عاد اسم ناصر ليبرز كمعيار ومقارنة تاريخية، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول تقييم تلك التجربة بكل تفاصيلها.

ولأن الخطاب حوله نادراً ما يكون موضوعياً أو تاريخياً بحتاً؛ إنه إما تقديس أعمى يلغي الأخطاء والثغرات الديمقراطية، أو شيطنة ممنهجة تلغي الإنجازات الكبرى وتغفل السياق الجيوسياسي الصعب الذي عاشته مصر، فإن هذا الاستقطاب الحاد بذاته هو ما يبقي جذوة السيرة ملتهبة، ويمنعها من التحول إلى مجرد أرشيف جامد.

خلاصة القول؛ إن حضور عبد الناصر ليس مجرد استدعاء لماضٍ انقضى، بل هو مرآة فاضحة لحاضر يبحث عن عدالة مفقودة. فالناس لا تترحم على الأشخاص، بل تترحم على فكرة أن تكون “الدولة” سنداً للضعفاء لا خصماً لهم. إن بقاءه بعد كل هذه العقود يثبت أن الخلود الحقيقي لا يصنعه الحكام بقوة السلطة أو قوانين الردع، بل بما يتركونه من أثر في وجدان الشعوب؛ فالزعماء الحقيقيون يتحولون بعد رحيلهم إلى أفكار ومشاريع كبرى تعيش طالما ظلت الحاجة ملحة للعدالة، والكرامة، والوطن.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى