مقالات

الدقة العلمية والتداخل بين التخصصات والدبلوماسية العلمية: حوار مع الدكتورة حميدة أولد سليمان

الدقة العلمية والتداخل بين التخصصات والدبلوماسية العلمية: حوار مع الدكتورة حميدة أولد سليمان

ترجمة عربية كاملة بصياغة صحفية وأدبية، مع الحفاظ على مضمون الحوار وتسلسل مشاهده.

إنه لقاء غير مألوف مع الأستاذة الدكتورة حميدة أولد سليمان. قررنا أن يكون لقاؤنا في باريس، في وقت قررت فيه حرارة الصيف أن تمنح الباريسيين والسائحين هدنة قصيرة. التقينا أمام متحف أورسيه، وبينما كنا نقف في طابور شراء التذاكر، بدأنا الحديث عن الجمال بمعناه الفني، وكيف أسهمت فكرة الكمال هذه في تشكيل الثقافة والفنون، بل والعلوم أيضًا.

نعم، العلوم! فمفهوم الجمال يقودنا، بصورة لا لبس فيها، إلى ربطه بمفهوم الصحة، وللصحة أبعاد متعددة في الطب وعلم الاجتماع وعلم النفس.

تحدثنا عن تعقيد كل إنسان، وعن تاريخه وعلاقاته والسياق الاجتماعي الذي يعيش فيه، وعن التحدي المتمثل في إدراك جميع الجوانب التي تجعل منه إنسانًا متفردًا.

وبينما كنا نصعد، بدأت أطرح سؤالي:

«دكتورة أولد سليمان، حدثينا عن مسيرتك المهنية وأبرز مجالات اهتمامك العلمي».

حميدة أولد سليمان:

«تتشكل مسيرتي المهنية وتتطور عند نقطة التقاء علوم الأعصاب السريرية والجنائية، وعلم النفس العصبي للصدمات، وطب الأعصاب السلوكي. ويشغلني التساؤل عن الكيفية التي تتشابك بها العمليات البيولوجية والمعرفية والعاطفية لتشكيل طريقة أداء كل واحد منا.

ما يوجهني هو الرغبة في فهم كيفية تفاعل العوامل العصبية البيولوجية، والتجارب الصادمة، والظروف البيئية، والروابط الإنسانية، مع تطور الفرد وتوازنه النفسي والفسيولوجي.

أنا مقتنعة بأن السلوك الإنساني لا يمكن فهمه إلا من خلال رؤية تكاملية، قادرة على إقامة حوار بين الأدلة العلمية المستمدة من علوم الأعصاب والأبعاد النفسية والفسيولوجية والسياقية، بعيدًا عن التبسيط المُخلّ».

توقفنا للحظات لنتأمل المنحوتات. أما الأعمال التي تعود إلى القرن العشرين، فقد نظرنا إليها بعناية؛ أجساد شامخة منحوتة بإتقان، ومع ذلك استوقفتنا الوجوه، إذ لاحظنا افتقارها إلى التعبير، وهو ما أوحى إلينا بالحزن وعدم الرضا.

تبادلنا النظرات، متسائلتين عن السبب.

فمن يملك شجاعة طرح الأسئلة، يملك أيضًا شجاعة البحث عن إجاباتها.

وتابعت حديثها قائلة:

«من إيماني بأهمية التكامل بين مختلف المجالات، انبثقت مجالات عملي، وهي: علم النفس العصبي السريري للصدمات، وطب الأعصاب السلوكي، والطب الوظيفي المرتبط بوضعية الجسم، وعلم الأعصاب الجنائي، وعلم النفس الجنسي، وعلم النفس المتخصص في الأورام.

لكل مجال منها منهجه الخاص وكفاءاته التي أحترمها بعمق، لكن ما يجمع بينها هو الإيمان بأن الإنسان ينبغي أن يُفهم بوصفه كيانًا متكاملًا».

واصلنا جولتنا، وطلبت منها أن تضرب لي بعض الأمثلة.

وبينما كانت تتأمل الأعمال النحتية، وكأنها تحللها باستخدام أدوات تشخيصية متعددة، شرحت لي قائلة:

«على سبيل المثال، في مجال علم النفس الجنسي، يهمني فهم النسيج الذي يربط بين العاطفة والحياة الجنسية والعلاقات والأداء النفسي والفسيولوجي. فالحياة الجنسية ليست مجرد مسألة بيولوجية، بل تحمل في طياتها تاريخ حياة كاملة، وطبيعة الروابط الإنسانية، والصورة التي يحملها كل إنسان عن نفسه.

ودراسة هذا المجال تتطلب حساسية إكلينيكية، ودقة منهجية، واهتمامًا بالسيرة الشخصية لكل فرد.

أما في علم النفس المتخصص في الأورام، فأهتم بالأبعاد النفسية والسلوكية والعلاقاتية للتجربة التي يمر بها مريض السرطان. فالتشخيص والعلاج يحملان عبئًا عاطفيًا ينعكس على جودة الحياة، والعلاقات الوجدانية، واستراتيجيات التكيف مع المرض.

ويسمح التكامل بين الخبرات في مجال الأورام وعلم النفس والدعم النفسي بتقديم رعاية أكثر شمولًا، مع الحفاظ على التمييز الواضح بين المرافقة والدعم النفسيين وبين علاج المرض العضوي نفسه.

وتستند كل هذه المجالات إلى تصور للصحة باعتبارها تفاعلًا بين الأداء البيولوجي، والتجربة الذاتية، والسياق الحياتي؛ وهي أبعاد يتفاعل بعضها مع بعض دون أن يتداخل أحدها مع الآخر على نحو يُفقده خصوصيته.

كما أن تكويني في العلاج النفسي الوجودي والوجودي الحديث يثري هذه الرؤية، ويدفعني إلى التساؤل عن معنى التجربة الإنسانية، وعن الكيفية التي يفسر بها كل فرد تاريخه الشخصي».

وجدنا أنفسنا أمام منحوتة «أوغولينو» للفنان جان باتيست كاربو، فدرنا حولها وقد انتابنا الذهول والنفور من المشهد.

وتابعت حديثها قائلة:

«كما هو الحال في المتاحف، يظل الإنسان محور هذه الرؤية، باعتباره كيانًا بشريًا متكاملًا: امرأة، أو طفلًا، أو رجلًا، أو أسرة.

فخلف كل معلومة بيولوجية، وكل سلوك، وكل تجربة صادمة، يوجد إنسان يحتاج إلى الحماية. ولهذا، لا يقتصر اهتمامي على الأم والطفل فحسب، بل يمتد إلى حماية الإنسان بوجه عام».

سألتها عما إذا كان من الصعب القيام بكل ذلك بمفردها، فأجابتني:

«إلى جانب العمل الإكلينيكي والبحث العلمي، أحرص على الاهتمام بالتعاون الدولي والدبلوماسية العلمية، انطلاقًا من إيماني بأن الحوار بين المتخصصين والجمعيات والمؤسسات والأوساط الأكاديمية يمثل في حد ذاته شكلًا من أشكال المعرفة.

نا مؤسسة شركة Gaudium ورئيستها التنفيذية، وأمارس عملي بين فرنسا وإيطاليا».

دخلنا الجزء الأيمن من المعرض، المخصص لأعمال رواد المدرسة الانطباعية الأوائل. ولاحظنا ليس فقط استخدام الألوان الزاهية، بل أيضًا وجود نوع من الواقع الموازي؛ إذ يجعلنا الفنان نرى وجهة نظره الخاصة تجاه المناظر الطبيعية والنساء والتفاصيل الدقيقة.

هذا هو جوهر الحداثة: أن تدرك قيمة الأشياء، وأن تمتلك الشجاعة لتفسيرها، ثم عرضها على الآخرين.

ابتسمنا وتأملنا.

ثم سألتها:

«ما أبرز الإنجازات التي حققتها خلال مسيرتك المهنية؟»

أجابت:

«بدلًا من التركيز على الإنجازات الفردية، أنظر إلى ما أتاحته لي من بناء مسار يجمع بين البحث العلمي والمسؤولية المؤسسية والتعاون بين التخصصات.

أشغل منصب نائبة الرئيس الدولية في جمعية PSAF International، وهي الجمعية العلمية للمهن الصحية والتأمينية والطب الشرعي، وأشارك في أنشطتها المؤسسية والعلمية، بما في ذلك فرنسا. كما أنني خبيرة مستقلة لدى المفوضية الأوروبية، وهو دور أتعامل معه باعتباره مسؤولية تتعلق بالمنهجية قبل أن يكون مجرد لقب.

أخصص جزءًا كبيرًا من جهدي للبحث العلمي؛ إذ نعمل على مشروع في علم الأحياء العصبي خلال فترة الحمل، يبحث في العلاقات بين الضغط النفسي أثناء الحمل، والتعرض للعوامل الضارة، وتنظيم الجهاز العصبي الصماوي، والتطور النفسي العصبي.

ويشكل الحوار مع الأستاذ رافاييل زينو، رئيس جمعية PSAF International، جزءًا مهمًا من هذه المسيرة. فقد نشأت بيننا شراكة شخصية ومهنية تقوم على الاهتمامات البحثية المشتركة، والتخطيط المشترك، والرغبة في إقامة حوار بين التخصصات».

بدافع الفضول، سألتها: «من هو الأستاذ زينو؟».

فأجابت:

«الأستاذ زينو طبيب شرعي يتمتع بكفاءة كبيرة ودقة منهجية لافتة. لديه قدرة نادرة على النظر إلى الظواهر السريرية بعين من يسعى إلى جعلها قابلة للقياس الموضوعي والفهم، وعلى بناء جسور بين الطب وعلوم الأعصاب والمجال القانوني.

وقد أنجزت معه عددًا من الأعمال العلمية المشتركة، من بينها دراسات حول العنف باعتباره عامل خطر أثناء الحمل، وتأثيراته في الفص الجبهي، والإدمانات المرضية. وكانت مساهمته ذات قيمة كبيرة في إضفاء المتانة والمنظور الطبي الشرعي على أبحاثنا».

واصلت أسئلتي بإلحاح: «إلى أين قادتك كل هذه الأعمال؟».

في تلك الأثناء، انتقلنا إلى الجانب الأيسر من معرض اللوحات، حيث تأملنا مشاهد من الحياة البسيطة، إلى جانب لحظات من حياة المسيح. وهنا أيضًا أدركنا مدى تعقيد الإنسان وتنوعه، ليس على مستوى الفرد فحسب، بل على مستوى البشرية جمعاء.

وعادت إلى الحديث قائلة:

«شاركت في تنظيم فعاليات وأنشطة للتوعية والتعريف بالعلوم، إلى جانب لقاءات وحوارات مؤسسية، من بينها الفعالية التي أقيمت في البرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ في ديسمبر 2025. وأعتبر مثل هذه الفعاليات فرصًا ثمينة لطرح القضايا العلمية المعقدة أمام الجهات والمؤسسات المهنية والرسمية.

وأولي اهتمامًا خاصًا بالبيئة الأكاديمية في إفريقيا. وفي إطار المشروع البحثي المرتبط بجامعة ياوندي الأولى، أُسندت إليّ مهمة سفيرة علمية.

أنظر إلى كل ذلك باعتباره مسيرة مستمرة التطور، تُقاس قيمتها بجودة التعاون، ومتانة ما ننجزه، ومدى إسهامنا الحقيقي في المعرفة».

إن التطور المستمر هو أن يخوض الإنسان التجارب بنفسه، ويقبل التغيير، ولا يخشى التحول.

وفي تلك الأثناء، أدركنا أن للجمال معاني متعددة، وأن تفسيره يختلف باختلاف الرؤى. لكن ما استهوىنا حقًا هو محاولة فهم المجتمع والفرد معًا من خلال الفن. فالفنان يفسر ذلك العالم المدهش الموجود أمامنا بالفعل، ويعيد تقديمه من منظوره الخاص.

وهكذا تخيلت حميدة في عملها: عالمة تستخدم المنهجية العلمية، وتجمع بين تخصصات متعددة، لتبني صورة إكلينيكية متكاملة للحالة.

العلم، شأنه شأن الفن، لا ينبغي أن يُحصر داخل الحدود الوطنية. ولذلك، ومع معرفتي بالتزاماتها الدولية، سألتها:

«ماذا تعني لك الدبلوماسية العلمية؟»

أجابت بحيوية واضحة:

«بالنسبة إليّ، الدبلوماسية العلمية لغة مشتركة، وأداة تستطيع المعرفة والبحث والتعاون بين المؤسسات من خلالها بناء جسور للحوار تتجاوز الحدود.

في عصر نواجه فيه تحديات صحية واجتماعية وتكنولوجية معقدة، يستطيع العلم أن ينسج علاقات تتخطى الحدود الجغرافية والتخصصية. إن تبادل الخبرات والتخطيط المشترك يتيحان لنا فهم مشكلات قد تعجز الرؤية الوطنية وحدها عن استيعابها.

أرى الدبلوماسية العلمية من خلال ثلاثة مسارات: توظيف البحث العلمي في خدمة العلاقات الدولية، وتعزيز التعاون بين المجتمعات العلمية، وإقامة الحوار بين المؤسسات لإطلاق مبادرات تستند إلى الأدلة العلمية.

إنها رؤية تنطلق من علوم الأعصاب السريرية والجنائية ومن البحث متعدد التخصصات، وتقودني إلى بناء جسور بين المؤسسات والجهات الأوروبية والإفريقية.

وأؤمن بأن التعاون لا يكتسب المصداقية إلا إذا استند إلى أسس ملموسة، تشمل الأهداف المشتركة، والمسؤوليات الواضحة، والشفافية، واحترام الاختلافات الثقافية، والتحقق من النتائج.

فالتعاون لا ينتهي عند حدود التمثيل الرسمي، بل يستمد حياته من الشراكات الفعلية والمستدامة.

كما أؤمن بمسؤولية التواصل العلمي؛ إذ يجب تقديم العلم بأمانة، دون تحويل الفرضيات إلى حقائق مؤكدة، أو نسبة نتائج لم تُتحقق بعد إلى مشروع بحثي.

أتطلع إلى الإسهام في بناء شبكة دولية تلتقي فيها المؤسسات والباحثون والمتخصصون لمناقشة القضايا ذات الأهمية العلمية والاجتماعية، في إطار من الدقة العلمية والتبادل القائم على المنفعة المتبادلة.

ولهذا أنظر إلى جمعية PSAF باعتبارها كيانًا يؤمن بالتطور العلمي. فالتعاون الدولي إحدى الوسائل التي يجدد العلم بها نفسه، من خلال المقارنة بين المناهج والخبرات ووجهات النظر المختلفة».

واصلت أسئلتي، وقلت لها:

«ما دور جمعية PSAF International في مسيرتك؟»

توقفت لحظة وكأنها تحاول اختصار الإجابة، رغم إدراكها أن الأمر لن يكون سهلًا، ثم قالت:

«جمعية PSAF International، وهي الجمعية العلمية للمهن الصحية والتأمينية والطب الشرعي، معتمدة من وزارة الصحة، ومسجلة في سجل الشفافية التابع للبرلمان الأوروبي.

إنها بيتي العلمي والمؤسسي؛ المكان الذي تتلاقى فيه المهن الصحية والطبية الشرعية وتتبادل الخبرات والمعارف، انطلاقًا من قناعة بأن الحالات المعقدة تتطلب رؤى سريرية ونفسية عصبية وطبية وجنائية قادرة على الحوار والتكامل.

وأكثر ما أجد نفسي فيه هو إيمان الجمعية بالتطور العلمي. فهي تؤمن بأن العلم ليس إرثًا مغلقًا ونهائيًا، بل عملية مستمرة التطور، تتجدد بفضل الأدلة الجديدة والأسئلة المستحدثة والشجاعة اللازمة لإعادة النظر حتى في المسلمات التي نؤمن بها.

وتترجم هذه القناعة إلى ممارسات ملموسة، تشمل التحديث المستمر للمعرفة، والمراجعة النقدية للفرضيات، والتدريب المتواصل للمتخصصين، والاستعداد لتقبل النماذج العلمية الجديدة متى استندت إلى أسس متينة.

فالتطور بالنسبة إلى الجمعية لا يعني ملاحقة الموضات أو العمل بصورة ارتجالية، بل تنمية المعرفة وفق منهج علمي، والتحقق مما نعلنه، والتصريح بأمانة بما لا نزال نجهله.

ومن هذا المنطلق، يتحقق التطور العلمي من خلال الحوار. إن الجمع بين المهن الصحية والطبية الشرعية والتخصصات العصبية، وإقامة روابط بين البحث العلمي والممارسة السريرية والمؤسسات، بما في ذلك المؤسسات الأوروبية، هو سبيل الجمعية لتحويل المعرفة إلى أدوات مفيدة، ومنع التخصصات من الانغلاق داخل لغاتها الخاصة.

وأعتقد، أخيرًا، أن التطور العلمي لا يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا كان في خدمة الإنسان. فلا بد أن يتحول البحث إلى حماية ووقاية ورعاية للمرأة والطفل والرجل والأسرة.

هذا هو المسار الذي تعمل الجمعية على تحقيقه، بقيادة رئيسها الأستاذ زينو وبمشاركة المتخصصين فيها، وهو المسار الذي أجد نفسي منسجمة معه تمامًا.

وبصفتي نائبة الرئيس الدولية، أعمل على توسيع العلاقات العلمية، ودعم تصميم المبادرات والمشروعات، وتعزيز التعاون بين المتخصصين والمنظمات، بالتنسيق مع رئيس الجمعية، الأستاذ زينو.

ويمثل الأستاذ زينو، بصفته رئيس الجمعية، مرجعًا مهمًا بالنسبة إليّ؛ فخبرته وقدرته على تنسيق العمل بين المتخصصين في مجالات مختلفة هما ما يساعد الجمعية على الحفاظ على الجودة العلمية والجدية المنهجية، مع إبقاء أنظارها متجهة نحو المستقبل.

وأؤمن بأن الجمعية العلمية يجب أن تحافظ على الجودة والشفافية والدقة المنهجية واحترام اختصاصات كل فرد.

وفي جمعية PSAF أجد المساحة التي يمكن فيها للالتزام المؤسسي وتطوير البحث العلمي أن ينموا معًا، ليشكلا ثقافة قائمة على التكامل بين التخصصات».

قررنا التوقف قليلًا لتناول القهوة، فقد كان لديّ الكثير من الأسئلة الأخرى، وكانت حميدة تبدو سعيدة وهي تتحدث بفخر عما استطاعت إنجازه.

وأخيرًا، جلسنا، فسألتها:

«لقد وضعتِ فكرة مشروع بحثي حول علم الأحياء العصبي خلال فترة الحمل. هل تحدثيننا عنه؟»

أجابت:

«نعم.

نشأ المشروع من الحاجة إلى فهم العلاقات المحتملة بين الضغط النفسي أثناء الحمل، والعنف خلال فترة ما قبل الولادة، والآليات العصبية الصماوية، ومسارات التطور النفسي العصبي.

الحمل فترة استثنائية من الناحية البيولوجية؛ إذ يمر الجهاز العصبي للجنين بمراحل نمو حساسة تتفاعل خلالها عوامل وراثية وفوق جينية وهرمونية ومشيمية واستقلابية وبيئية.

وقد تناولت الدراسات العلمية العلاقات بين الضغط النفسي لدى الأم، وتنظيم محور الوطاء ـ الغدة النخامية ـ الغدة الكظرية، والإشارات المرتبطة بالهرمونات القشرية السكرية، ووظيفة المشيمة، والتطور اللاحق للطفل. ووصفت هذه الدراسات آليات معقدة تختلف آثارها بحسب مدة التعرض للعوامل الضارة وشدتها، ومرحلة الحمل التي يحدث فيها التعرض، والظروف الفردية والبيئية.

وعند التعمق في هذه الآليات، نجد أن محور الوطاء ـ الغدة النخامية ـ الغدة الكظرية (HPA) يعمل من خلال سلسلة من العمليات تبدأ في النواة المجاورة للبطين في منطقة الوطاء، حيث يُنتج الهرمون المطلق للكورتيكوتروبين (CRH)، وتنتهي عند قشرة الغدة الكظرية، التي تفرز الكورتيزول.

في حالات الضغط النفسي الحاد، يؤدي هذا النظام وظيفة تكيفية، لكن في حالات الضغط المزمن، كما يحدث مع التعرض المستمر للعنف، قد يصبح وسيطًا في حدوث تغيرات عصبية بيولوجية.

وتؤدي المشيمة دورًا محوريًا أثناء الحمل؛ فهي ليست مجرد مرشح سلبي، بل نظام تنظيمي نشط. إذ يحول إنزيم 11β-HSD2 الكورتيزول الأمومي النشط إلى كورتيزون غير نشط، وبذلك يسهم في حماية الجنين.

وتشير الأدبيات العلمية إلى أن الضغط النفسي المزمن لدى الأم قد يقلل من التعبير عن هذا الإنزيم ونشاطه، مما يزيد تعرض الجنين للهرمونات القشرية السكرية. وقد تؤثر هذه الهرمونات في التمايز العصبي، وتكوين الميالين، وتشكيل المشابك العصبية، في مناطق غنية بمستقبلات هذه الهرمونات، مثل الحُصين والقشرة أمام الجبهية واللوزة الدماغية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الموضع الأزرق (Locus Coeruleus)، وهو نواة نورأدرينالية تقع في جذع الدماغ، وتؤدي دورًا في تنظيم الاستثارة واليقظة والانتباه والاستجابة للضغط النفسي. وخلال نمو الجنين، تكون هذه المنطقة حساسة لمستويات الهرمونات القشرية السكرية والكاتيكولامينات.

وتتمثل فرضية عملنا في أن التنشيط المفرط والمبكر لهذه المنظومة قد يدفعها إلى فرط الاستجابة للضغط النفسي، على حساب البنى القشرية المسؤولة عن التحكم التنفيذي، ولا سيما القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية، التي تنضج ببطء، مما يجعلها أكثر عرضة للتأثر.

ووفقًا لنماذج التكيف التطوري، يمكن النظر إلى ذلك باعتباره استجابة تكيفية في الأصل لبيئة يُنظر إليها على أنها تهديدية، لكنها قد تؤدي إلى استمرار فرط الاستثارة وزيادة القابلية للاضطرابات المرتبطة بالقلق والاكتئاب.

وتضاف إلى ذلك الآليات فوق الجينية، مثل مثيلة جين NR3C1، المسؤول عن ترميز مستقبلات الهرمونات القشرية السكرية؛ وهو ما يمكن تشبيهه بـ«بصمة بيولوجية» تتركها بيئة النمو.

كما أن توقيت التعرض للعوامل الضارة مهم، لأن هناك مراحل نمو حساسة، وتشير البيانات المتاحة إلى أن التعرض في الثلثين الثاني والثالث من الحمل قد تكون له آثار مختلفة.

وفي عملنا البحثي، نضيف إلى هذه الأسس منظورًا سريريًا وطبيًا شرعيًا، لفهم كيفية دراسة العوامل السابقة للولادة وعلاقتها بالأداء النفسي العصبي في المراحل اللاحقة».

إن الموضوع شديد الأهمية في الوقت الراهن، فالعنف القائم على النوع الاجتماعي ظاهرة اجتماعية موجودة في مختلف البلدان والثقافات، وللأسف، تقع النساء الحوامل أيضًا ضحايا له.

سألتها: هل يمكن أن يتأثر الطفل داخل رحم أمه بآثار العنف الذي تتعرض له؟

فأجابت:

«أولي اهتمامًا خاصًا للعنف أثناء الحمل، لما يرتبط به من قضايا تتعلق بصحة المرأة وسلامتها، وتبعات الضغط النفسي، والظروف المحيطة بالحمل.

وإلى جانب ذلك، أضع في الاعتبار عوامل أخرى تؤثر في النمو، مثل التغذية والنوم والبيئة الأسرية والظروف الاجتماعية والاقتصادية وجودة العلاقات والفرص التعليمية؛ إذ تسهم هذه العوامل، بطرق مختلفة، في تشكيل أداء الفرد.

لا ننطلق من افتراض أن التعرض لتجربة ضارة يؤدي بالضرورة إلى نتيجة محددة لدى الطفل. ما يهمنا هو دراسة العلاقات المحتملة والآليات التي يمكن تفسيرها علميًا، وتحديد الأدلة المتاحة بوضوح، وتمييزها عما لا يزال بحاجة إلى مزيد من التحقق.

في تونس، أجرينا أنشطة للملاحظة والتقييم متعدد التخصصات، شملت أطفالًا وأسرًا ومتخصصين من قطاعات مختلفة. وستُحلل البيانات التي جُمعت في ضوء المنهجية المعتمدة، وجودة التوثيق، والقيود المرتبطة بحجم العينة وطبيعتها.

أما من الناحية الطبية الشرعية، فالحذر واجب؛ إذ إن وجود علاقة إحصائية بين ظاهرتين في مجموعة من الأفراد لا يثبت أن حدثًا معينًا هو السبب المباشر لحالة فرد بعينه. لذلك، لا بد من مراعاة التسلسل الزمني، والأدلة الموثقة، والعوامل البديلة المحتملة، وحدود الأدوات المستخدمة.

وفي هذا الجانب، تُعد مساهمة الأستاذ زينو أساسية بالنسبة إليّ. فخبرته في الطب الشرعي تساعدنا على التمييز بدقة بين الارتباط والسببية، والعمل بحذر منهجي على التقييم الموضوعي للتغيرات العصبية والنفسية والوضعية الجسدية، حتى يصبح العلم أداة حقيقية لحماية الإنسان.

ويتمثل جوهر المشروع في بناء إطار متعدد التخصصات، تتحاور داخله علوم الأحياء العصبي والفسيولوجيا العصبية والتطور النفسي العصبي والطب الشرعي، انطلاقًا من أسئلة بحثية محددة بوضوح.

والغاية التي تهمني هي فهم تبعات التعرض للعوامل الضارة أثناء الحمل بصورة أفضل، ودعم الوقاية من العنف وحماية صحة الأم والطفل.

لكنني أود توضيح نقطة أساسية بالنسبة إليّ: أنا لا أحمي الأم والطفل فحسب، بل أحمي الإنسان.

فالعنف لا ينشأ من فراغ، ولكي نضع حدًا له، علينا أن نفهم أيضًا الآليات النفسية والعصبية البيولوجية والاجتماعية التي تسهم في نشأته وانتقاله.

وتذكرنا علوم الأعصاب المعنية بالضغط النفسي بأن الرجل ليس خارج هذا الإطار. ففي النماذج الحيوانية، يترك الضغط النفسي لدى الأب آثارًا فوق جينية قابلة للقياس، مثل التغيرات في جزيئات الحمض النووي الريبي الصغيرة في الحيوانات المنوية، وقد ترتبط هذه الآثار بتغيرات في استجابة محور الوطاء ـ الغدة النخامية ـ الغدة الكظرية لدى النسل. أما لدى البشر، فلا تزال هذه الآليات بحاجة إلى مزيد من التحقق العلمي.

كما يبدو أن تأثيرات اضطراب ما بعد الصدمة لدى الأم والأب في الأبناء تتبع أنماطًا مختلفة، بما يشير إلى وجود آليات متمايزة، تشمل ظروف الرعاية والتنشئة، إلى جانب العوامل السابقة للولادة.

ولهذا، لا أفصل بين حماية المرأة وحماية الرجل، وصحته النفسية، وعلاقته بأسرته، والوقاية من السلوكيات العنيفة.

ولا شيء من ذلك يمثل قدرًا محتومًا؛ فالمرونة العصبية وإمكانية التراجع عن بعض التغيرات فوق الجينية تؤكدان أن التدخلات المبكرة، سواء كانت بيئية أو عصبية فسيولوجية أو نفسية، يمكن أن تحد من الآثار السلبية».

نظرنا للحظات إلى أسطح المنازل في باريس. كان كل شيء يبدو هادئًا في الخارج، لكننا كنا مضطربتين من الداخل، ونحن نفكر في حجم العمل الذي لا يزال ينتظرنا، وفي كثرة المشكلات التي تحتاج إلى فهم وتحديد جوانبها، تمهيدًا لمعالجتها.

هناك من يعمل على ذلك بجد واجتهاد، مثل حميدة، وهناك من يفعل ذلك من خلال كتابة المقالات، مثلي. وبالطبع، يختلف حجم المسؤولية من شخص إلى آخر.

واصلنا جولتنا كزائرتين للمعرض، وهذه المرة حاولنا، بصعوبة، تأمل أشهر أعمال الانطباعيين وسط الزحام، وهواتف ذكية لا تتوقف عن التقاط الصور، وتعليقات تُقال بصوت مرتفع.

ومع ذلك، استطعنا أن ننبهر باستخدام الألوان والمناظر الطبيعية التي منحتنا شعورًا بالسكينة.

لقد تحدثت حميدة كثيرًا عن التكامل بين التخصصات، ولذلك واصلت سؤالي:

«ما مشروع Gaudium، وما الرؤية التي تسعين إلى تطويرها من خلاله؟»

توقفت أمام لوحة «زنابق الماء» لكلود مونيه.

استوقفتها الألوان والحركة التي نجح الفنان في التقاطها. وقد استهوتنا انطباعات مونيه الفنية. فقد أشاد بعض النقاد بقدرته المذهلة على تصوير الضوء وانعكاساته على الماء، بينما انتقد آخرون افتقار أعماله إلى التحديد وظهور موضوعاتها بصورة ضبابية.

لكنني تساءلت: أليس الإنسان في المجتمع الحديث، وهو يؤدي مهام متعددة وينشغل بأدوار اجتماعية مختلفة، معرضًا لخطر فقدان حدود ذاته الحقيقية؟

وبعد هذه التأملات، أعادتني حميدة إلى موضوعنا، وأجابت:

 هو المشروع الذي أرغب من خلاله في تجسيد رؤية متكاملة للتقييم الوظيفي وفهم الإنسان، عبر إقامة حوار بين علوم الأعصاب السريرية وعلم النفس العصبي وعلم النفس وغيرها من التخصصات التي تستدعيها الحاجة.

ينبع المشروع من مسيرتي المهنية، ويتقارب في روحه ومنهجه الوجودي الحديث مع الثقافة القائمة على التكامل بين التخصصات التي تتبناها جمعية PSAF International.

أنطلق من فكرة بسيطة: لا يمكن فهم أداء الإنسان إلا بالنظر معًا إلى أبعاد متعددة، تشمل البعد المعرفي والعاطفي والسلوكي والفسيولوجي والعلاقاتي والبيئي، باستخدام الأدوات المناسبة، والاستعانة بمتخصصين من مجالات مختلفة عند الحاجة.

وهذا نهج مصمم لخدمة الإنسان في مختلف الأعمار والظروف، سواء أكان امرأة أم رجلًا أم طفلًا، على أن يُطوَّر في إطار من الشفافية والانفتاح على التقييم النقدي».

كنا نقف أمام لوحة «ليلة مرصعة بالنجوم فوق نهر الرون» لفنسنت فان غوخ. وقد سحرنا المشهد الليلي، فسمحنا لأنفسنا بابتسامة حالمة، ممتنتين لحساسية الفنان التي تكاد تلامس الرومانسية، والتي تذكرنا بأن هذا الجانب من الحياة له مكانه أيضًا.

ابتسمت ابتسامة جميلة ومعدية، بدت معها وكأنها شعاع من الشمس.

سألتها:

«لماذا ترين أن النهج متعدد التخصصات أساسي في علوم الأعصاب؟»

أجابت:

«تدرس علوم الأعصاب الأنظمة البيولوجية والعمليات الوظيفية التي تتفاعل باستمرار مع البيئة والتجربة الفردية؛ ولهذا فإن فهم الظواهر المعقدة يتطلب مساهمة منسقة من تخصصات متعددة.

يرتبط الجهاز العصبي بتنظيم الغدد الصماء والجهاز العصبي اللاإرادي، وبعمليات الأيض والنوم والحالة الصحية العامة. وفي الوقت نفسه، يمكن للعلاقات الإنسانية والظروف الاجتماعية والفرص البيئية أن تؤثر في النمو والحياة اليومية.

وتتيح الرؤية متعددة التخصصات جمع معلومات متكاملة، بحيث لا نحمّل ملاحظة واحدة مسؤولية تفسير جميع جوانب حالة معقدة.

ففي الممارسة السريرية، يقيّم علم النفس العصبي الوظائف المعرفية، ويستكشف علم النفس السريري الجوانب العاطفية والعلاقاتية، وتحدد التخصصات الطبية الحالات العضوية المحتملة، بينما يضيف الطب الشرعي تحليلًا منهجيًا وتوثيقيًا متخصصًا.

وبالنسبة إليّ، تعني تعددية التخصصات أيضًا التحرر من التفسيرات الأحادية؛ فليس من الضروري تفسير كل شيء من خلال الصدمة أو إرجاعه إلى سبب واحد.

إنها تعني صياغة فرضيات بديلة والتحقق من البيانات. ولكي ينجح التعاون، لا بد من وجود أهداف مشتركة، واحترام متبادل للاختصاصات، وحماية للبيانات، وإجراءات شفافة، مع تقييم كل مساهمة في حدود المجال الذي تنتمي إليه».

تأملنا مسيرة الانطباعيين، بوصفهم فنانين ذوي رؤى استشرافية، وروادًا سبقوا عصرهم، وفكرنا في الكيفية التي نُظر بها إليهم في زمنهم، وفي المكانة التي يحتلونها اليوم.

تشكل المدرسة الانطباعية نقطة تحول في الفن الحديث، إذ رفضت التقاليد الأكاديمية وابتكرت أساليب جديدة في تمثيل الضوء واللون. وقد أحدث كل من مونيه ومانيه ثورة في الرسم خلال القرن التاسع عشر، متأثرين بالتطورات العلمية وبالسياق الاجتماعي والسياسي لعصرهما.

في تلك اللحظة، شعرنا وكأننا مونيه ومانيه، أو تمنينا لو كنا مثلهما. ربما تستطيع حميدة أن تحلم بذلك، أما أنا، فعلى الأقل أستطيع أن أحلم به.

ضحكنا مجددًا، ثم عدنا إلى الجدية، فسألتها:

«ما أبرز الصعوبات التي تواجه بناء شراكات علمية متعددة التخصصات؟»

أجابت:

«يكمن التحدي الأساسي في كل تعاون متعدد التخصصات في القدرة على الترجمة المتبادلة بين اللغات والمناهج ومعايير التقييم المختلفة.

فلكل تخصص أدواته ورؤيته الخاصة، ولكي تتحول هذه الاختلافات إلى عناصر تكامل، لا بد من تحديد سؤال بحثي واضح، وتوزيع المسؤوليات بدقة.

وينبغي منذ البداية تحديد البيانات التي ستُجمع، والأدوات التي ستُ

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى