حين تتحول الهجرة إلى سلاح إعلامي… لماذا يُستهدف المغرب كلما اشتد حضوره الدولي؟

حين تتحول الهجرة إلى سلاح إعلامي… لماذا يُستهدف المغرب كلما اشتد حضوره الدولي؟
لم تعد قضية الهجرة غير النظامية مجرد ملف أمني أو إنساني، بل أصبحت واحدة من أكثر الأوراق توظيفًا في الصراع الإعلامي والسياسي بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط. وما شهدته الحدود في الأيام الأخيرة يؤكد أن بعض المنابر الإعلامية الإسبانية لا تتعامل مع الأحداث بالقدر نفسه من التوازن الذي تقتضيه المهنية الصحفية.
فقد ركزت نسبة كبيرة من التغطيات على المهاجرين المغاربة، وكأنهم الطرف الوحيد في المشهد، رغم أن الوقائع تشير إلى أن موجة الهجرة ضمت أيضًا مهاجرين من دول شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء. هذا الانتقاء في زاوية التغطية يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب التركيز على المغرب دون غيره، وحول الرسائل التي يراد إيصالها إلى الرأي العام الأوروبي.
ولا يمكن إنكار أن أي ثغرة أمنية أو خلل في إدارة الحدود يتحول سريعًا إلى مادة إعلامية دسمة، لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا تتضخم الصورة عندما يكون المغرب طرفًا فيها؟ ولماذا يتم اختزال أزمة معقدة ومتعددة الجنسيات في عنوان واحد يربطها بالمغرب وحده؟
ويرى عدد من المتابعين أن هذا الخطاب الإعلامي يتجاوز نقل الخبر إلى محاولة التأثير في النقاش الأوروبي بشأن سياسات الهجرة، والضغط على مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها البرلمان الأوروبي، للدفع نحو مزيد من التشدد في التعامل مع هذا الملف، مع تقديم المغرب باعتباره محور الأزمة، رغم أن الهجرة غير النظامية مسؤولية مشتركة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية وسياسية.
واللافت أن توقيت هذه الحملات الإعلامية لا يخلو من دلالات. ففي كل مرة يحقق فيها المغرب مكسبًا دبلوماسيًا، أو يعزز شراكاته الإستراتيجية مع دول أوروبية أو مع الولايات المتحدة، أو يتزامن ذلك مع مناسبات وطنية كعيد العرش المجيد، تعود بعض الأصوات الإعلامية لتسليط الضوء على ملفات بعينها، في محاولة للتشويش على الزخم الذي تعرفه المملكة على الساحة الدولية.
ومن المفارقات التي تستحق التأمل أيضًا، ما شهدته أوروبا مؤخرًا من خطوات لتسهيل الحركة بين إسبانيا وجبل طارق بعد التفاهمات مع المملكة المتحدة، في مقابل استمرار التشدد في التعامل مع ملف سبتة ومليلية. هذا التباين يفتح الباب أمام نقاش مشروع حول اختلاف المعايير في إدارة الملفات الحدودية، خاصة أن المغرب لا يزال يعتبر المدينتين أراضي مغربية محتلة.
وفي المقابل، فإن آلاف الشباب الذين يخاطرون بحياتهم لعبور الحدود هم في المقام الأول ضحايا أوهام تروج لفكرة أن أوروبا جنة موعودة، بينما الواقع يؤكد أن الدول الأوروبية نفسها تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، وأن الهجرة غير النظامية لا تمثل حلًا حقيقيًا لمشكلات الشباب.
لقد أثبت المغرب خلال السنوات الأخيرة أنه شريك أساسي في مكافحة الهجرة غير النظامية ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، وهو ما تعترف به تقارير وشركاء دوليون. غير أن هذا الدور لا يمنع من تعرضه لحملات إعلامية متكررة كلما تعزز موقعه الإقليمي والدولي، أو حقق تقدمًا في مشاريعه التنموية الكبرى، ومن أبرزها الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، الذي يعد أحد أهم المشاريع الإستراتيجية الرامية إلى تعزيز الربط بين شمال المملكة وجنوبها وترسيخ التنمية بالأقاليم الجنوبية. كما أن إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هذا المحور الطرقي أثار اهتمامًا واسعًا، واعتبره كثير من المراقبين خطوة تحمل دلالات سياسية ورمزية، تزامنت مع تنامي العلاقات المغربية الأمريكية، وهو ما أعاد هذا المشروع إلى واجهة النقاش الإقليمي والدولي.
إن المعركة اليوم لم تعد على الحدود فقط، بل أصبحت أيضًا معركة على الصورة والرأي العام. والإعلام المسؤول هو الذي ينقل الوقائع كاملة دون انتقائية أو توظيف سياسي، لأن اختزال الأزمات في رواية واحدة لا يخدم الحقيقة، بل يعمق سوء الفهم ويؤثر في مسار العلاقات بين الشعوب والدول.
ويبقى المغرب، رغم كل التحديات، متمسكًا بخيار الشراكة والتعاون، وبمواصلة مساره التنموي والدبلوماسي، مؤمنًا بأن الحملات الإعلامية العابرة لا يمكنها أن تحجب واقع الإنجازات ولا أن توقف مسيرة دولة اختارت أن تبني مستقبلها بثقة وثبات.
خادمة الأعتاب الشريفة
الإعلامية نرجس قدا




