مقالات

الشعر العربي بين الأصالة والحداثة بقلم الشاعر والناقد: صفوت راتب الغندور

الشعر العربي بين الأصالة والحداثة
بقلم الشاعر والناقد: صفوت راتب الغندور

بين متمسك بأصالة الشعر، عازف على أوتار قيثاره، ناسج على منواله، متبارٍ في مضماره، وبين منتصر للحداثة، وإن كان معترفًا بفضل الأصالة وأسبقيتها، أو متمردًا عليها أشد التمرد، أقول بأن لديَّ قناعة بأن الشعر العمودي، الذى تواتر إلينا من العصر الجاهلي، منذ ما يربو على ألف وخمسمائة سنة، وظل حتى يومنا هذا هو الأصل، فهو في رأيي ابتكار عربي أصيل، وأن الشعر ديوان العرب، مرآة لبيئاتهم بعاداتها وتقاليدها وأعرافها وقيمها السائدة في كل عصر، وموروثها الأدبي والثقافي، وأصالة وجماليات وعبقرية اللغة العربية، والذائقة التي تكونت واختمرت عند العرب، فطرة وسليقة وابتكارا واستحداثا للأساليب الجمالية والصور الفنية ودقة وجزالة الألفاظ، ومتانة الصوغ وحسن الاستهلال، وبراعة التصوير، و الشعر العربي سجل حافل لتاريخهم، إلا أنني أؤمن بالتغيير، والتغيير من سنن الحياة، بشرط أن يكون تطويرا وتحديثا، وإضافة، وليس مجرد تغيير من أجل التغيير والاختلاف وحسب، أو يكون نقضا لبنيان متين صمد وظل ثابتا لقرون، ضاربا في عمق الزمن، أو بسبب العجز والإفلاس من ثلة لا تتذوق ولا تستسيغ الشعر التقليدي كما يطلقون عليه، ولا تجيد الإبداع كما أبدع الأولون.
التغيير، في رأيي، لا بد أن يحمل رسالة التطوير والتحديث وأن يكون إضافة كما ذكرت، وليس مسخا ولا ترقيعا ولا انسلاخا، ولا إسفافا ولا علة، ولا عوارا للشعر والأدب والفن عموما، وأن تكون له قيمته وجدواه أدبيا وفنيا وفكريا، وأن يضيف ولا ينتقص، بحيث يكون قادرا على أن يؤدي ما لم يؤد القديم، ويحقق ما لم يحققه بعد، وإن كنت أرى أن الشعر العربي الأصيل قادر علي بلوغ آفاق بعيدة من الإبداع، قادر على تناول شتى القضايا والموضوعات، قادر على استيعاب كل الألفاظ، حتى المتداول منها (لغة الخطاب اليومي) ، وكذلك المعرَّبة وتوظيفها ودمجها في القصيدة العمودية أو العروضية.
فالمحك في ذلك كله والمعوِّل إنما يكون على حسن توظيف اللفظ ودمجه في الأسلوب المستخدم في القصيدة في سبك بديع ليتخذ جماله ورونقه ويؤدي وظيفته، بل ويضيف معاني أوسع وأشمل إلي المألوف من معانيه، وهذا من أخص خصائص اللغة العربية.
قصيدة العمود قادرة على استيعاب الرمزية، والفلسفة، والعمق، والأبعاد، والدلالات والمجاز، والإسقاط، والاستفهام والتضاد والمفارقات، وإحداث الدهشة، والحوار والقص، والوصف الذي هو من أبرز وأقوى خصائص الشعر العربي، وليس أدل على ذلك من المسرح الشعري الذي توطدت مكانته، كذلك استدعاء واستلهام التراث والسير الشعبية والأسطورة، والتاريخ والدين.
قصيدة يمكنها أن تحمل في طياتها الدلالات والشفرات والأبعاد، قادرة على توليد الصورة من الصورة، والإيقاع الموسيقى الداخلي والخارجي بطرائق وتنويعات وتعددية، كالجناس، والتضاد، وحسن التقسيم، وغير ذلك.
وهنا يعن لي سؤال: هل الشعر القديم، أو ما يقال عنه التقليدي سيصمد أمام الحداثة، أم أن الحداثة قادرة على إزاحة الأصالة؟
أنا أستشعر وجود إتجاه خفي، غير معلن صراحة وبوجه سافر، هذا الإتجاه يشكل حملة ممنهجة لهدم ونقض الشعر العمودي، ربما للفتِّ في عضد اللغة العربية وهدم الثراث، و تغييب الهوية وطمسها لإضعاف الانتماء العربي وتجريد العرب من مجدهم والعمل على إيجاد هوَّة كبيرة بين العرب وتاريخهم وإهالة الردم على التراث العربي الإبداعي والفني والثقافي، محاولة سلخ العربي من عروبته وتاريخه ولغته، محاولة خلعه ونزعه من جذوره.
فإذا سلمنا بسلامة النية، وأنا شخصيا أشك في ذلك، فإني أرى أن الأصالة قادرة على الوقوف ضد كل هذه التيارات،
لكنني كما قلت أؤمن بالتطوير والحداثة، ولدي رؤية استكشافية وحسُّ تنبؤي بأن الحداثة سترتقي، وهي بالفعل ماضية ومستمرة في الارتقاء حتى تصل إلى فن إبداعي جديد، له خصائصه ومقوماته، لا يقل جمالا وقيمة وتأثيرا عن الأصالة، وسيبقى الإبداع بكل أنماطه، ليثري الشعر والأدب بهذه التعددية.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى