قصة قصيرة لقد انبتت الأرض ولدي

قصة قصيرة
لقد انبتت الأرض ولدي
بقلم محسن خزيم
لم تكن لدي القدرة على الاستيعاب أو الفهم: ماذا يدور من حولنا؟ فقد كنت طفلاً صغيراً نلعب أنا وأقراني كعادتنا أمام منزلنا، حتى شعرت بأن الأرض قد اهتزت، أو كأن زلزالاً مدمراً قد وقع. وبين الفينة والفينة جاء من يدّعي أن الأرض له، لكنه شخص كاذب مدّعٍ لا يملك الأرض وليس لديه عِرض حتى يخاف عليه. فخلف مؤخرته رجل… لا، لست أدري أهو رجلاً أم اختلط الأمر علينا؟ فإن البقر تشابه علينا. لكنه يملك ملامح مختلطة بين الأنوثة وأشباه الرجال. سمعتهم يقولون ما يفعلون: لقد اتفقوا اتفاقاً على سهرة جنسية بعد الانتهاء من أعمالهم.
اقشعر بدني، وظننت السوء. لكن أي سوء أسوأ من ميوعة الرجال وغدرهم بالشرف؟ فهؤلاء القوم لا نعرف لهم عهداً، ولم نسمع لهم عن ميثاق. الشيء الذي يعرفونه هو الاستقواء على النساء والعزل، بالسلاح وبالعدة التي بين أيديهم. دقائق مرت بطيئة، تحمل من الأوزار أطناناً، ومن ينابيع الغدر أسقاماً. لكن أبي علمني ألا أخاف، بل ضرب لي المثل الأعلى بالتضحية بروحه فداءً لأختي التي تعرض لها هذا الجندي المملوء أنوثة. لست أدري كيف يكون جندياً؟ هل فاقدو الكرامة والعذرية جنود؟ جائز.
يومها قال لي أبي: لا تحزن، الموت لا يأتي مرتين. وفارقنا بعد أن ضربوه وسحلوه وجردوه من نظرة وداع لنا، لكنه رد إليهم الصاع صاعين. فقد ورثنا الكبرياء والعظمة. وها نحن كبرنا ومات أبي فداء الشرف. ترى كيف لو تعرض لي هذا الجندي؟ أقول هذا وأعود أذكّر نفسي أني غير قادر على منع ولدي من اللعب. لقد ضاع الحلم بعدما ضاع أمل التحرير.
وذات ليلة متشحة بيأس يملؤنا، قرر ولدي اللعب في الخفاء، بين ديارنا وأرضنا. في لحظة صمت موجعة ظهر كشاف السيارة الملعونة: إنهم الجنود المخصيون، يتسللون في توجس. يعلمون لو انفرد أحدهم بصبي أو صبية أو رجل مسن لشك أنه سيموت.
تمر اللحظات بصعوبة، وإذا بهؤلاء يقبضون على طفلي، الذي زرعت في قلبه الطمأنينة كما فعل والدي الذي دفع عمره مقابل كلمة قالها لأختي: “لا تخافي”.
ماذا أفعل الآن؟ طلبت بعزة نفس من الجنود أن يطلقوا ولدي، لكنهم رفضوا. لم أدرِ، إلا ويداي الاثنتان تهويان على رؤوسهم. ثلاثة جنود فروا، لكنهم عادوا عشرة. وتم القبض عليّ. أودعوني السجن، وفي كل يوم يسحلونني ويضربونني أكثر، لكن ذلك ليس عذاباً. العذاب فقدان ولدي ووالدي وأختي وزوجتي.
فليس بعد الروح روح، وأنت الروح يا بلادي. فلتعش وتحيا، وفداك كل من يحيا يا وطن. رغم أن ولدي كان هو نبض بقائك، أخذوه. ماذا يبقى من أجلك، يا من ترانا ننزف دماً ودموعاً ونتجرع يأساً ونرفض الخنوع؟ إنه الموت.
وأخذت في صراخ لا ينقطع: اقتلوني، أريقوا دمي لتتطهر الأرض، ويُحفظ العهد يا أولاد العاهرات. لقد كان العهر على قارعة الطريق.
ثلاث سنوات أبكي على ضياع ابني. نعم، لقد أخبروني أنه مات، وأختي وزوجتي ماتوا جميعاً. لكن إرادة ربنا فوق كل شيء. في إحدى الكمائن كان الشباب قد أسروا خمسة من المخنثين منهم، وتم التفاوض، وكان من حسن حظنا أن التفاوض كان علينا، حتى نلنا بعد ذلك الخروج من بين أيديهم. ترى ماذا رأيت؟ لقد احتفظت الأرض بولدي. ها هو لم يمت. أسأل من يجيبني: أحقاً هذا ولدي؟
—




