منوعات

محمد السادس والمغرب… حبُّ وطنٍ ورسالةُ ملكٍ إلى العالم

محمد السادس والمغرب… حبُّ وطنٍ ورسالةُ ملكٍ إلى العالم

بقلم الإعلامية والكاتبة المغربية نرجس قدا

ليس حب الوطن كلماتٍ تُقال، ولا انتماءً نعلنه حين تشتد الحاجة إلى الشعارات؛ حب الوطن مسؤولية، وموقف، ووفاءٌ لتاريخٍ نصنع امتداده بأعمالنا. وحين يتحدث جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عن المغرب ومستقبله، فإننا أمام خطاب يستحق أن يُقرأ في أبعاده الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وأن تصل رسائله إلى أبعد من حدود المملكة.

في خطابه أمام البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026، استحضر جلالة الملك اعتزازه بمغربيته، مؤكداً أن هذا الشعور لا تزيده السنوات إلا قوة ورسوخاً. ولم يكن الاعتزاز بالهوية في هذا السياق مجرد تعبير عن الانتماء، بل ارتبط بمعنى أعمق: أن يتحول حب المغرب إلى مسؤولية، وأن يصبح الانتماء حافزاً للعمل والعطاء، لا مناسبة للاكتفاء بالافتخار بما تحقق.

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الخطاب: أن حب المغرب لا يُقاس بما نقوله عنه، بل بما نقدمه له.

لقد وضع جلالة الملك أمام المرحلة المقبلة مجموعة من الأولويات الاستراتيجية، من بينها تعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، ومواصلة الإقلاع الصناعي، وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتأمين الاحتياطات الاستراتيجية وتوريد المواد الأساسية. وهي ملفات تمس حاضر المغاربة ومستقبل الأجيال القادمة، وتؤكد أهمية بناء اقتصاد قادر على مواجهة التحولات العالمية، وصون المصالح الوطنية، وخلق فرص جديدة للتنمية.

ولم يغفل الخطاب الإنسان المغربي، وخاصة الشباب، حين أكد ضرورة وضع قضاياهم في صدارة السياسات العمومية، بما يشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص. فالشباب ليسوا مجرد فئة تنتظر دورها في المستقبل؛ إنهم جزء من حاضر المغرب، ومن طاقته الإنتاجية والإبداعية، ومن قدرته على مواصلة البناء. وأي مشروع تنموي لا يمنحهم فرصاً حقيقية للعمل والارتقاء الاجتماعي يظل في حاجة إلى استكمال حلقاته الأساسية.

كما حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن التنمية المجالية، من خلال التأكيد على العمل الميداني، والوقوف على المشكلات الحقيقية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها، مع تسريع تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. فالمواطن الذي يعيش في مدينة كبرى أو قرية بعيدة له الحق في خدمات عمومية لائقة وفرص تنموية عادلة. ولا تكتمل قوة الدولة حين تنجح بعض مناطقها وحدها، بل حين تتسع ثمار التنمية لتشمل مختلف جهاتها.

لكن من أبرز ما يستحق التوقف عنده الرسالة الموجهة إلى أعضاء البرلمان. فقد ذكّر جلالة الملك بأن الانتداب البرلماني هو
التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط البرلمانيين بالمواطنين ودعاهم إلى أن يكونوا في مستوى مسؤوليتهم أمام الله والمواطنين والتاريخ.

إنها رسالة تضع جوهر العمل السياسي أمام سؤال لا يمكن تجاهله: ماذا يعني أن ينال المرء ثقة المواطنين، إن لم يترجمها إلى عمل جاد، وتشريع مسؤول، ومتابعة حقيقية لانشغالات الناس؟

فالمنصب ليس غاية في ذاته، والتمثيل النيابي ليس امتيازاً منفصلاً عن الواجب. إنما هو تكليف تترتب عليه مسؤوليات، وتُختبر قيمته بمدى الوفاء للالتزامات وخدمة المصلحة العامة. ومن هنا، فإن نجاح المرحلة المقبلة يحتاج إلى تضافر جهود المؤسسات، وإلى مسؤولين يجعلون من خدمة المواطن أولوية عملية، لا مجرد عبارة في البرامج والخطب.

وعلى المستوى الدولي، أكد الخطاب مكانة المغرب كشريك مسؤول وموثوق، وتناول ضرورة مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة، في ضوء الأزمات المتكررة وتغير الظروف. وهي إشارة إلى أهمية الشراكات المتوازنة التي تقوم على احترام الالتزامات والمصالح المتبادلة، وتحفظ للمملكة حقها في صياغة اختياراتها الاستراتيجية وفق مصالحها الوطنية.

ومن موقعنا كإعلاميين مغاربة، تبرز مسؤولية أخرى لا تقل أهمية: أن ننقل هذه الرسائل إلى الرأي العام بوضوح وأمانة، وأن نعرّف الشعوب الأخرى بمضامينها بعيداً عن المبالغة أو التأويل غير الدقيق. فالإعلام المهني يستطيع أن يكون جسراً بين المؤسسات والمجتمع، وبين التجربة الوطنية المغربية والعالم، حين يضع الحقيقة في مقدمة رسالته، ويمنح القارئ المعلومة التي تساعده على الفهم والتأمل.

أما حب المغاربة لملكهم، فهو شعور يرتبط في الوجدان الوطني بمعاني الوفاء والاستمرارية والبيعة، وتاريخ العلاقة بين العرش والشعب. غير أن التعبير عن هذا الحب يكتسب معناه الأعمق حين يقترن بالعمل من أجل الوطن، وصون وحدته، واحترام مؤسساته، والمساهمة في تنميته. فالمحبة الصادقة لا تعفي من المسؤولية، بل تمنحها معنى أسمى.

إلى العالم نقول: إن المغرب ليس مجرد اسم على خارطة، بل وطنٌ له تاريخه وهويته وطموحه، وشعبٌ يعتز بانتمائه ويتطلع إلى مستقبل أكثر تقدماً وعدالة وازدهاراً.

وإلى كل من يتحمل مسؤولية في هذا الوطن، نقول إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى كثرة الوعود بقدر ما تحتاج إلى صدق التنفيذ؛ ولا تحتاج إلى الاكتفاء بالحديث عن حب المغرب، بقدر ما تحتاج إلى تحويل هذا الحب إلى عمل يراه المواطن ويشعر بنتائجه.

سيبقى المغرب أكبر من الأشخاص والمناصب، وستظل مصلحته العليا هي البوصلة التي ينبغي أن تهتدي بها كل الجهود المخلصة. فالملك يوجّه، والمؤسسات تتحمل مسؤولياتها، والمواطن شريك في بناء المستقبل، والإعلام يحمل أمانة الكلمة.

حفظ الله المملكة المغربية، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ووفّق أبناء المغرب جميعاً لما فيه خير البلاد والعباد.

عاش المغرب عزيزاً شامخاً، وعاش الشعب المغربي وفياً لوطنه، تحت راية المملكة المغربية. الله، الوطن، الملك.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى