مقالات

حسام الدين بريطل كاتب وروائي جزائري.. من الكيمياء والبترول إلى دهاليز الرواية

حسام الدين بريطل كاتب وروائي جزائري.. من الكيمياء والبترول إلى دهاليز الرواية

من عالم المعادلات والمختبرات والصناعات البترولية إلى عوالم الذاكرة والفقد والغموض والخوف، يواصل الروائي الجزائري حسام الدين بريطل بناء مشروعه الأدبي، واضعًا الإنسان في قلب الحكاية، ومتنقلًا بين الرواية الإنسانية والتشويق والأسئلة النفسية.

ليست الكتابة بالنسبة إلى حسام الدين بريطل امتدادًا طبيعيًا لتخصصه الدراسي أو مجاله المهني، بل هي المساحة التي اختار أن يعيش فيها شغفه بعيدًا عن عالم عمله. فبينما ينتمي تكوينه الجامعي ومساره المهني إلى المجال العلمي والتقني، ويعمل في مجال يرتبط بالكيمياء والصناعات البترولية، وجد في الرواية نافذة مختلفة يرى من خلالها العالم، ويمنح عبرها للخيال والأسئلة الإنسانية مساحة لا توفرها طبيعة عمله اليومية.

وهذه المفارقة بين عالمين مختلفين تمامًا لم تتحول إلى حاجز أمام الكتابة، بل تبدو جزءًا من خصوصية تجربته؛ فبريطل لا يكتب من موقع الكاتب المنعزل عن الواقع، وإنما من داخل حياة مهنية وعلمية تمنحه تجربة مختلفة في النظر إلى التفاصيل، ثم يعيد تشكيلها عبر الخيال والسرد.

ومنذ بداياته في الكتابة، اتجه بريطل إلى بناء مشروع روائي لا يستقر عند لون واحد؛ فبدأ من الإنسان وهمومه اليومية، قبل أن يتوسع تدريجيًا نحو الغموض والتشويق والأسئلة النفسية.

في رواية «عباءة الفجر»، يقترب من عالم الفقر والحرمان والعمل المبكر، من خلال شخصية تواجه ظروفًا قاسية، لكنها تتمسك بالأمل والإرادة، لتتحول المعاناة إلى طريق نحو النضج، بدل أن تكون نهاية للحلم.

أما «الذئب العجوز»، فتقدم حكاية رجل بسيط صنعته سنوات الفقر والعمل والخسارات، وحافظ، رغم قسوة الحياة، على كرامته واحترامه لنفسه. وهنا يقدم بريطل البطولة من زاوية مختلفة؛ فالبطل ليس بالضرورة من ينتصر في معركة صاخبة، بل قد يكون ذلك الإنسان الذي يواصل حياته بصمت ويرفض أن تكسر الظروف داخله.

ومع «الناجية»، ينتقل الكاتب إلى مساحة أكثر نفسية، حيث تتقاطع الذاكرة مع الفقد والغياب والخذلان، وتصبح النجاة فعلًا داخليًا لا يقل صعوبة عن مواجهة العالم الخارجي.

ثم يفتح بريطل بابًا جديدًا في مشروعه مع «أرشيف الأرواح»، التي تأخذ القارئ إلى عالم غامض تتداخل فيه الذاكرة والأثر والماضي، وتضع الشخصية أمام أسئلة تتجاوز حدود الواقع، فيما يتحول الغموض إلى وسيلة للتأمل في نتائج أفعال الإنسان وما يتركه خلفه.

وفي «آخر مكالمة»، يتجه المشروع بصورة أوضح نحو التشويق والرعب والغموض؛ إذ تبدأ الحكاية بمكالمة هاتفية غامضة عند الساعة 03:13 صباحًا، قبل أن تتسع دائرة الأسرار والملفات المفقودة والأحداث المقلقة، في عالم يجعل من التفاصيل اليومية المألوفة مدخلًا إلى المجهول.

ورغم اختلاف هذه العوالم، يجمع بينها خيط واضح: الإنسان في مواجهة شيء أكبر منه؛ مرة يكون الفقر، ومرة الفقد، ومرة الذاكرة، ومرة الماضي، ومرة الخوف من المجهول.

ويكشف هذا التنوع عن كاتب لا يريد أن يحصر تجربته في قالب روائي واحد، بل يسعى إلى منح كل عمل عالمه الخاص، مع الحفاظ على اهتمامه بالشخصيات ودوافعها وتحولاتها. فالرواية عند حسام الدين بريطل ليست مجرد حكاية تُروى، وإنما مساحة لاختبار الإنسان في أقصى لحظاته ضعفًا وقوة.

وبين عمله في عالم الكيمياء والصناعات البترولية، وعمله الأدبي الذي يقوده إلى عوالم الأرواح والذكريات والمكالمات الغامضة، تتشكل تجربة تجمع مسارين مختلفين تمامًا، لكنهما يلتقيان في شيء واحد: الشغف.

فإذا كان عمله يمنحه واقعه المهني، فإن الرواية تمنحه العالم الذي يختاره بنفسه؛ عالمًا يستطيع من خلاله أن يسأل، ويتخيل، ويبني الشخصيات، ويعيد تشكيل الواقع كما يراه.

ومن هنا يبدو مشروع حسام الدين بريطل الأدبي في طور متواصل من التشكل، منتقلًا من «عباءة الفجر» إلى «الذئب العجوز»، ومن «الناجية» إلى «أرشيف الأرواح» و«آخر مكالمة»؛ رحلة أدبية تتسع رواية بعد أخرى، وتؤكد أن اختلاف التخصص والمهنة عن الأدب لم يكن حاجزًا أمام الكتابة، بل ربما منح الكاتب نافذتين مختلفتين للنظر إلى العالم: نافذة يقرأ من خلالها واقعه بعين العالم المتخصص، وأخرى يعيد عبرها تشكيل هذا الواقع بعين الروائي.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى