ثقافة

الخط التصاعدي في قصيدة النثر عند الدكتورة /أمل درويش

الخط التصاعدي في قصيدة النثر عند الدكتورة /أمل درويش

بقلم الشاعر والناقد صفوت راتب الغندور

قد تكون هذه هي المرة الأولى التي أعثر فيها على نص إبداعي طويل للأديبة الشاعرة الدكتورة/ أمل درويش، وحين أقول: أول نص طويل، فإنما أصفه بذلك لا وصفا مطلقا، وإنما بالقياس إلى جميع أو جل نصوصها المكثفة وتلك شديدة التركيز، وأستطيع بحدسي وتذوقي وحسي الإبداعي أن أتنبأ وأبرر سبب اختلاف هذا النص عن تلك السابقة عليه، من حيث الطول.
( يا أنتَ..) بقلم د/أمل درويش
في نصوصها، والتي تفضل أن تطلق عليها(خواطر) أو لنقل، خواطر نثرية، وجلها قصيرة مكثفة، أو متوسطة الطول، نرى أن الشاعرة الدكتورة/ أمل درويش تركز المعاني، بأسلوب تؤدي فيه الكلمة المعنى المطلوب تحديدا، وكذلك تأتي بالجملة مقتصدة، تضيف إليها وتبرز معناها الجملة التي تليها، وهكذا، ليكون النص موجات مترسلة، تتهادى حتى تبلغ شاطئها، ويأتي النص كله مترابطا فكريا ووجدانيا، متآزرا، يقوي بعضه بعضا، تنتهج فيه الشاعرة الخط التصاعدي لتصل بنا من خلاله إلى ذروة الانفعال، بل الانفجار، وكأنما استجمعت المشاعر وبلورت الفكرة، فأحدثت الإثارة أو الفجاءة لدي القارئ أو المتلقي.
وحين يتأتي من مبدع النصوص المكثفة نص طويل، على غير المعهود منه، فإن المتوقع أن يكون النص مبنيا من فقرات، تختص كل منها بفكرة تؤسس لما بعدها، لينتج النص كمتوالية أو متسلسلة فكرية وجدانية، وهذا ما بان لنا في النص.
والنص قائم على حوارية بين المحب والمحبوب، لكن الحوار من طرف واحد، تولاه المحب، أو لنقل أنه عبارة عن مجموعة من الرسائل موجهة من الحبيب إلى محبوبه.
وتستهله الشاعرة بسؤال الحبيب عن يومه، وتردف السؤال بسؤال عن حلم ليلة الأمس، ولا عجب، فيومه وليد ليلة أمسه، أو أن حلم الليل يفسره النهار، بل يترجمه حقيقة وواقعا،
وتفاجؤك الشاعرة بأنها تسأله عن وجودها هي في حلمه، هل رآها هناك،على مشارف الحلم،أو في غمار تفصيلاته بانتظاره؟ ليستبين لك أنها تبني الأسئلة الثلاثة عن حضورها طيفا، أو كيانا متجسدا في ذروة التشوق واللهفة، أو حتى مجرد أمنية سواء كانت منه أو منها في أحلامه، بل في واقعه، بل في كيانه،
وكيف يمكن التنبؤ أو الحكم بذلك؟
لأنها بعد هذة الأسئلة الثلاثة توحدت روحين وكيانين في روح واحدة وكيان واحد، نرى ذلك في الفقرة الثانية، وكأن الفقرة الأولى كانت تمهيدا لما بعدها.
ونرى في نهاية الفقرة الأولى، كيف اختارت تعبير(صفحتك البيضاء) ؟
ليصل لنا الإيحاء بأنها هي الأولى في حياته، أو هكذا تود أن تكون، أو أنها لا تتخيل حبيبة أخرى في حياته، تلك فكرة غير واردة في ذهنها من الأساس، أو لتدلك على طيب عنصره، ونقاء معدنه، وصفاء قلبه، لذلك ناسبه الحلم، ولذلك ناسب الصفحة البيضاء والحلم جميعا تلوين هذه الصفحة، فالحلم هو لوحة مكتملة،منسجمة، متسقة الألوان، والألوان قرينة الجمال، بل هي طابعه وانطباعاته، والجمال هو صور البهجة بتعددية أشكالها وطرائقها وتأثيراتها، وهي لا تدعه لحيرة التفكير، إنما تمنحه خيارين أحدهما، أن يلون هو صفحته البيضاء، أو أحلامه التي رسمها فيها بسطور العشق، أو خيار الانسحاب، وكأنما توعز له بالإجابة التي تنتظرها وترجوها.
في الفقرة الثانية تدهشنا الشاعرة بأنها قد نقلت الحديث إلى الأنا (أناها، ذاتها) فلا تكاد تحدد كقارئ من تخاطب الشاعرة؟ هل نفسها أم المحبوب؟ أم نفسها في المحبوب، أم المحبوب في نفسها؟
وهي تتوقع منه أن يسألها عن حالها كما سألته هي عن حاله، لكنها تقطع عليه الطريق بألا يسأل، فهي التي ستتولى الإجابة دون أن تكلفه عناء أو حرج السؤال، وهنا يتأكد لنا أنها هي التي توعز له، هي المهيمنة على الموقف والفكرة، والفرصة التي تخلقها بإرادة الحياة والبعث والتجدد.
وتخبره أن روحها قد أصابها الكلل، غير أنها لم تستسلم، إنما تسأله أن ينثر فضاءها غيمات تزهر حروفا، لتزهر الحروف أشواقا، لتلملم تلك المشاعر المبعثرة، إنها تريد أن تجمع شتات الحب، شتات الحلم، شتات العمر.
ألم أقل لكم؟
فكما مهدت بالفقرة الأولي للثانية، فقد فعلت الشيء نفسه، حيث مهدت بالفقرة الثانية للثالثة، فصدق الحدس، في تفسير ولادة هذا النص أطول من جل نصوص الشاعرة السابقة عليه.
لقد بدأت فقرتها الثالثة بالأحلام، من حيث انتهت في الفقرة الثانية، وهي أحلام تصفها ،كالمتوقع، بالنافرة، المبعثرة، الخرساء، وأنها راحت تلملمها من حكايا الغرباء، ذلك أنهم هم الأكثر علما بما تعانيه القلوب المتعبة، الوحيدة، الموجعة، وإنها هي، بقلبها وروحها ووجدانها، هي الأكثر إحساسا وشعورا وأدراكا به، بشكواه، بجرحه هذا الذي أنهكه الصمت، إنه يحتاج إلى البوح، الإفضاء، الشكوى، حتى يستطيع الخروج من وحدته، والإفلات من غربته، والانطلاق والتحرر من شرنقة الصمت، قرين العدم، والحق أنها هي من تريد ذلك كله، ولأنها العنصر الفاعل، المتمرد على حزن يفرض نفسه، وترفضه هي وتأباه، لذا كانت لها المبادءة والمبادرة.
وتأتي الفقرة الأخيرة تتويجا للفقرات الثلاث التي سبقتها، لتعلن أنها اختارته هو، وهو اختيار مجازي، قد أعبر به عن الفعل، والإقدام عليه والابتدار إليه، ذلك أنه هو توأم الروح، فليس لديها اختيار بالأساس، إنما تملك أن تحافظ على حب حياتها وحلم عمرها، وأنه ينبغي للمحب أن يتخذ خطوات إيجابية، كي لا تذبل أوراق الحلم، كي لا ينزوي أحد القلبين فارضا على نفسه عزلة تقضي على حبه وآماله وتقضي بالتبعية على أحلام المحب، فالمبادرة تحيي القلبين، وتكون أرضا خصبة لازدهار أحلامهما، والحب هنا قد يكون رمزية الحياة، رمزية الأمل، أو الحرية، ولا غرو، فالحب هو ذلك كله، الحب هو الحياة بكل جمالها وزخمها وسمو معاني الإنسانية والكرامة والنبل في الإنسان.
نص بديع، جمع رقي الفكر ورهافة الحس، واسْتُجمعت فيه عناصر الجمال.
..
النص الأصلي:
يا أنتَ..
بقلم/د. أمل درويش
يا أنتَ..
كيف حالك اليوم؟
أخبرني عن حُلمك بالأمس كيف كان؟
هل حلّقتَ؟
وعلى جناحيّ الشوقِ طرتَ؟
هل صادفتَ طيفي هناك؟
على حدود آفاقك ينتظر،
هطولك مرةً يُحييه بعد الغياب..
أخبرني عن نواياك،
عن صفحتك البيضاء كيف لوّنتها؟
وبماذا نقشت سطورها؟
أبِحروفِ العشقِ زيّنتها؟
أم أنك فضّلتَ الانسحاب؟

يا أنتَ..
يا أنا الغارقة فيك حدّ الهلاك..
كيف حالي فيك؟
وكيف حالك فيّ؟
عن أحوالي لا تسل..
قد أصاب الروح الكلل،
ولكنها لم تستسلم بعد..
اذكرني بغيمةٍ تُلقيها في فضائي
برذاذ حروفك مُحمّلة..
انثر في دروبي أشواقك كفانا بعثرة..

يا أنتَ..
يا كلّ الأحلام النافرة،
استجمعتُها في قصّةٍ يحكيها الغرباء..
يا صمتَ حرفٍ أنهكه الخيالُ،
وأعيته الشكوى..
في أودية الصُمّ تاه دون رجاء..
لن يفهم جرحكَ سوىٰ قلب
أعياه الصمتُ قبلك واكتفىٰ بالانزواء..
لن تبقىٰ وحيدًا في عالمكَ بعد اليوم؛
فَرفقًا بقلبٍ اختاركَ رفيقَ الشقاء..
يا كلّ أحلام السعادة والهناء:
اهطلي في سمائه،
وامنحيه طوفان ودّك بسخاء..

في كلّ أحلامك ستجدني،
لن ترحل أطيافي،
وتهجر دروبك بعد اليوم..
لن تغفر روحي لأحلامك
إن لم تخترني بطلتها..
لن تغفر لك الروح إن اخترتَ
طريق العُزلة وآثرتَ الانطواء..
يا أنتَ.. يا أنا..
يا توأم الروحِ ها نحن لم نعد
في الدنيا مجرد أوراقٍ باهتةٍ،
بعثرتها رياح الأحزان،
وفرّقتها الأيام.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى