المغرب لا يبني الموانئ فقط… بل يصنع مكانته بين الكبار

المغرب لا يبني الموانئ فقط… بل يصنع مكانته بين الكبار
بقلم الإعلامية والكاتبة نرجس قدا
حين نتأمل مسار التنمية في المغرب، ندرك أن بعض المشاريع لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد أوراش للبناء أو استثمارات ضخمة، بل باعتبارها قرارات استراتيجية ترسم ملامح المستقبل. فهناك فرق بين دولة تستثمر في بنياتها التحتية لتلبية حاجاتها الآنية، ودولة تنظر إلى موقعها الجغرافي باعتباره فرصة لصناعة قوة اقتصادية قادرة على المنافسة والتأثير.
والمغرب، بما يمتلكه من موقع استراتيجي يربط بين أوروبا وإفريقيا، ويطل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، اختار أن يحوّل هذه الميزة الجغرافية إلى رافعة حقيقية للتنمية، من خلال رؤية ملكية تراكم الإنجازات وتربط بين الحاضر وطموحات المستقبل.
من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، وصولًا إلى مشروع طنجة المتوسط 3 نحن أمام مسار يتجاوز حدود التوسع المينائي. إننا أمام تصور استراتيجي يسعى إلى تعزيز موقع المملكة في التجارة الدولية، واستقطاب الاستثمارات، وفتح آفاق اقتصادية جديدة أمام مختلف جهات البلاد.
فالقوة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الموانئ وحدها، بل في القدرة على تحويلها إلى محركات للاقتصاد والتنمية.
لقد شكّل مشروع طنجة المتوسط، الذي بدأت ملامحه الأولى سنة 2002 محطة مهمة في مسار التحول الاقتصادي المغربي. ومع مرور السنوات، لم يتوقف الطموح عند حدود هذا الإنجاز، بل امتد إلى تطوير القدرات المينائية وتعزيز حضور المملكة في حركة التجارة العالمية، وصولًا إلى مشروع الناظور غرب المتوسط، الذي يفتح آفاقًا جديدة أمام جهة الشرق.
وهنا تتجلى أهمية الاستمرارية في الرؤية؛ فالمشاريع الكبرى لا تصنع أثرها الحقيقي في يوم افتتاحها، وإنما من خلال ما تتيحه من فرص وما تستقطبه من استثمارات، وما تخلقه من حركة اقتصادية تمتد آثارها إلى قطاعات ومناطق متعددة.
وتكشف الأرقام المرتبطة بمشروع الناظور غرب المتوسط عن حجم الرهان، إذ بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المعبأة له نحو 54 مليار درهم. كما يُرتقب أن تبلغ الطاقة الاستيعابية لمحطة الحاويات الأولى 3.5 ملايين حاوية، فيما يُنتظر أن تضيف المحطة الثانية قدرة تصل إلى 1.8 مليون حاوية، مع توقع دخولها الخدمة في أبريل 2027.
ولا تتوقف أهمية المشروع عند النشاط التجاري؛ فالبنيات المرتبطة بتخزين المحروقات ومحطة الغاز الطبيعي المسال، بطاقة معالجة تصل إلى خمسة مليارات متر مكعب سنويًا، تمنحه بُعدًا استراتيجيًا يتصل بالأمن الطاقي للمملكة.
أما مشروع طنجة المتوسط 3، باستثمار يبلغ ثمانية مليارات درهم، فمن المنتظر أن يضيف 4.5 ملايين حاوية سنويًا إلى القدرات المينائية، بما يساهم في تعزيز طموح المغرب إلى بلوغ طاقة استيعابية إجمالية تصل إلى 20 مليون حاوية بمركب طنجة المتوسط، وترسيخ حضوره بين الموانئ العالمية الكبرى.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تعكس حجم التحول الذي تسعى المملكة إلى تحقيقه. غير أن السؤال الأهم، في تقديري، لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الحاويات التي ستعبر هذه الموانئ، بل بما ستتركه هذه المشاريع من أثر في حياة المواطنين.
فما قيمة ميناء متطور إذا لم تتحول إمكاناته إلى فرص شغل؟ وما جدوى استثمارات ضخمة إذا لم تجد الكفاءات المحلية طريقها إلى الاستفادة منها؟ وكيف يمكن الحديث عن تنمية متكاملة دون أن يشعر المواطن بأن المشاريع الكبرى تفتح أمامه أبوابًا جديدة للعمل والاستقرار وتحسين ظروف العيش؟
من هنا، تكتسب الدعوة الملكية إلى ضمان استفادة الأقاليم المعنية من العائدات الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع أهمية خاصة. فالتنمية ليست مجرد منشآت تُقام، وإنما نتائج ملموسة تظهر في حياة الناس، وفي فرص الشباب، وفي قدرة المناطق على بناء اقتصاد محلي أكثر حيوية واستدامة.
وتشير التوقعات المرتبطة بمشروع الناظور غرب المتوسط إلى إمكانية إحداث نحو 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب شغل غير مباشر على المدى القريب. وهي آفاق واعدة، لكنها تظل مرتبطة بمدى القدرة على تحويل هذه التوقعات إلى فرص فعلية، من خلال التكوين المهني، وتأهيل الشباب، وربط المهارات المطلوبة بحاجات الأنشطة الاقتصادية الجديدة.
ولذلك، فإن الاستثمار في الإنسان يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع الاستثمار في البنية التحتية. فالميناء يستطيع استقبال السفن، والمنشآت تستطيع معالجة البضائع، لكن الكفاءات المؤهلة هي التي تمنح هذه المشاريع قدرتها على الاستمرار والتطور وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
كما أن توسيع النشاط المينائي يمكن أن يفتح المجال أمام تطور قطاعات أخرى، من النقل والخدمات اللوجستية إلى الصناعة والتجارة والخدمات المرتبطة بالتصدير والاستيراد. ومن شأن هذا التكامل، متى جرى استثماره بكفاءة، أن يمنح المناطق المعنية فرصًا أوسع لاستقطاب المقاولات وتحريك الدورة الاقتصادية.
إن الرهان الحقيقي ليس أن تصل السفن إلى الموانئ المغربية فحسب، بل أن تصل ثمار التنمية إلى البيوت المغربية أيضًا.
ومن جهة أخرى، فإن هذه المشاريع تعزز قدرة المملكة على استثمار موقعها الجغرافي في عالم تتزايد فيه أهمية سلاسل الإمداد والربط التجاري والأمن الطاقي. فالمنافسة بين الموانئ لم تعد مرتبطة بالموقع وحده، وإنما أصبحت تقوم كذلك على جودة الخدمات، والسرعة، والكفاءة، والقدرة على استقطاب الاستثمارات، وتوفير بيئة اقتصادية متكاملة.
وفي هذا السياق، تبدو مواصلة تطوير طنجة المتوسط وإطلاق الناظور غرب المتوسط وتعزيز القدرات المينائية خطوات مترابطة في مسار يرمي إلى رفع تنافسية المغرب وتوسيع حضوره في الأسواق الدولية.
وما يستحق التوقف عنده هو أن هذه المشاريع تمتد عبر سنوات طويلة، وتتطور وفق طموحات متجددة، بما يعكس أهمية التخطيط الاستراتيجي في بناء الاقتصاد. فالمكانة الدولية لا تُصنع بالخطابات وحدها، ولا تُكتسب بإنجاز منفرد، بل تُبنى بالعمل المتواصل، والاستثمار المدروس، والقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع.
وبالنسبة إليّ، فإن قراءة هذه التحولات تقتضي النظر إلى ما وراء الأرقام؛ إلى مغرب يسعى إلى تعزيز موقعه الاقتصادي، وإلى توسيع فرص التنمية بين جهاته، وإلى جعل البنية التحتية وسيلة لبناء مستقبل أكثر تنافسية واستقرارًا.
إن الرؤية الملكية التي تجمع بين تطوير الموانئ وتعزيز الاقتصاد والاهتمام بالبعد الاجتماعي تضع أمام مختلف المؤسسات والفاعلين مسؤولية مواصلة العمل حتى تتحقق الغاية الأهم: تنمية لا تقتصر على قوة الأرقام، بل تمتد إلى قوة المجتمع وقدرته على الاستفادة من ثمار التقدم.
فالمغرب لا يحتاج إلى مشاريع كبيرة في حجمها فقط، بل إلى مشاريع كبيرة في أثرها، قادرة على خلق الثروة، وتطوير الكفاءات، وفتح الأبواب أمام الشباب، وتعزيز الثقة في المستقبل.
قد تُقاس الموانئ بعدد الحاويات التي تستوعبها، لكن نجاح الرؤى الكبرى يُقاس بعدد الفرص التي تمنحها للإنسان.
ومن طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، تتواصل رحلة المغرب نحو ترسيخ مكانته بين الاقتصادات المتصلة بحركة التجارة العالمية. رحلة عنوانها التخطيط، وأداتها الاستثمار، وغايتها تنمية وطنية تستمد قيمتها من قدرتها على الجمع بين قوة الاقتصاد وكرامة الإنسان.
بقلم الإعلامية والكاتبة نرجس قدا




