اغتصاب القاصرات.. جريمة تُدمِّر الحاضر وتختطف المستقبل
اغتصاب القاصرات.. جريمة تُدمِّر الحاضر وتختطف المستقبل
اغتصاب القاصرات ليس مجرد جريمة فردية ترتكب في الظل، بل هو اعتداء ممنهج على الطفولة والإنسانية والمجتمع بأكمله. هو جرح مفتوح لا يترك أثره على الضحية وحدها، بل يمتد ليصيب الأسرة، والمدرسة، والمنظومة الأخلاقية، وحتى بنية المجتمع النفسية والقانونية.
القاصر بطبيعتها ليست مهيأة جسديًا أو نفسيًا أو معرفيًا لمواجهة أي شكل من أشكال الاعتداء الجنسي. عندما تتعرض للاغتصاب، فإن الضرر لا يقتصر على الألم الجسدي، بل يتجاوز ذلك إلى صدمات نفسية عميقة: فقدان الثقة، اضطرابات القلق والاكتئاب، كوابيس متكررة، إحساس دائم بالخطر، وصعوبة في تكوين علاقات إنسانية سوية لاحقًا. كثير من الضحايا يعشن حياتهن محاصرات بالعار الزائف، بينما الجاني يظل طليقًا أو محميًا بالصمت الاجتماعي.
أحد أخطر أوجه هذه الجريمة هو أن مرتكبها غالبًا ما يكون شخصًا قريبًا: جارًا، قريبًا، معلمًا، أو حتى فردًا من العائلة. هذه الحقيقة تجعل الفتاة تشعر بأن العالم الذي يفترض أن يحميها هو ذاته الذي يهددها، فتدخل في دائرة من الصمت والخوف والإنكار القسري.
اجتماعيًا، تتفاقم المأساة حين يُلقى اللوم على الضحية بدل الجاني. ثقافة الصمت والتبرير وحماية “السمعة” تتحول إلى شريك غير مباشر في الجريمة. بدل أن يُحاسَب المعتدي، تُعاقَب الطفلة مرتين: مرة بالاعتداء، ومرة بنبذ المجتمع لها أو إجبارها على السكوت.
قانونيًا، جريمة اغتصاب القاصرات يجب أن تُعامل كأقصى درجات الاعتداء، بلا تساهل أو صفقات أو “ترضيات عرفية”. العدالة هنا ليست انتقامًا، بل حماية للمجتمع وردعًا لكل من تسول له نفسه استباحة جسد طفلة. العقاب الرادع ليس رفاهية، بل ضرورة اجتماعية.
لكن القانون وحده لا يكفي. الوقاية تبدأ من التربية، والتعليم، والتوعية. يجب تعليم الأطفال مبكرًا حدود الجسد، والحق في الرفض، وكيفية طلب المساعدة. كما يجب تدريب المعلمين والأهل على ملاحظة العلامات المبكرة للاعتداء، وعدم تجاهل أي شك أو بلاغ.
الإعلام أيضًا له دور محوري. تناول القضية يجب أن يكون مسؤولًا، بعيدًا عن الإثارة أو الاستغلال، ومركّزًا على الضحية وحقوقها، لا على الجاني أو التفاصيل المؤلمة.
في النهاية، اغتصاب القاصرات ليس قضية “فردية”، بل امتحان أخلاقي لمجتمع بأكمله. المجتمع الذي يحمي الطفولة هو مجتمع يحمي مستقبله. والمجتمع الذي يصمت عن هذه الجرائم هو مجتمع يشارك فيها بصمته.
الطفلة ليست مسؤولية أسرتها وحدها، بل مسؤولية دولة، وقانون، ومدرسة، وإعلام، وثقافة. وحين نفشل في حمايتها، فإننا لا نفشلها هي فقط، بل نفشل أنفسنا جميعًا.
بقلم/ دنيا كريم





