عاجل
من ذاكرة الاستعمار إلى ورقة الجنسية... ماذا تريد مدريد من الصحراء المغربية؟ مصر تعزي الأردن الشقيق في ضحايا حادث حافلة المجندين المكلفين بخدمة العلم وزير الخارجية يستقبل المبعوث الشخصي للسكرتير العام للأمم المتحدة للسودان لبحث تطورات الأزمة السوداني... وزير الخارجية يستقبل وزير الدولة السنغافوري للشئون الخارجية والداخلية معرض «أسرار المدينة الغارقة» وحملة «100 يوم من حقيقة التراث»ضمن القائمة النهائية لجوائز اللجنة الدول... القنصل العام يفتتح معرض كوكب الشرق أم كلثوم في تورينو مدينة المتحف المصري وزير الخارجية يلتقي وزراء خارجية الصين وروسيا وإيران وإندونيسيا وكازاخستان والهند بقمة البريكس تأسيس الحزب السياسي "الاتحاد من أجل إيطاليا" «UN.IT» أول حزب متعدد الثقافات ودولي في إيطاليا انعقاد ملتقى الفكر الإسلامي الدولي التاسع بمشاركة علماء ومفكرين من مختلف دول العالم وزير الخارجية يؤكد أهمية العودة للمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران
مقالات

من ذاكرة الاستعمار إلى ورقة الجنسية… ماذا تريد مدريد من الصحراء المغربية؟

من ذاكرة الاستعمار إلى ورقة الجنسية… ماذا تريد مدريد من الصحراء المغربية؟

بقلم الإعلامية / الكاتبة نرجس قدا

في خطوة تشريعية تعيد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش السياسي في مدريد، وافق مجلس النواب الإسباني يوم 10 سبتمبر 2026 على مقترح قانون يفتح مسارًا خاصًا أمام منح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين وُلدوا في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية، ولأبنائهم وفق شروط محددة، في تطور لا يمكن عزله عن التاريخ الاستعماري الإسباني للمنطقة ولا عن حساسية العلاقات المغربية الإسبانية.

وحصل المقترح على 168 صوتًا مؤيدًا مقابل 31 صوتًا رافضًا و145 امتناعًا، قبل إحالته إلى مجلس الشيوخ الإسباني لاستكمال مساره التشريعي. وبذلك لم يصبح النص قانونًا نافذًا بعد، إلا أن وصوله إلى هذه المرحلة البرلمانية يطرح أسئلة سياسية تتجاوز حدود الجنسية وإجراءاتها القانونية.

فالقضية هنا ليست مجرد جواز سفر أو إجراء إداري يمنح لفئة معينة، وإنما ارتباط هذا التشريع بمنطقة لها وضع سياسي بالغ الحساسية، وبقضية يعتبرها المغرب قضية سيادة وطنية ووحدة ترابية لا يمكن اختزالها في حسابات تشريعية داخل برلمان أجنبي.

لقد خرجت إسبانيا من الصحراء سنة 1975، لكن الإرث الذي تركته تلك المرحلة لم يختفِ من الذاكرة السياسية والقانونية. واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود، يعود الماضي الإسباني إلى الواجهة من خلال بوابة الجنسية، في وقت قطعت فيه العلاقات المغربية الإسبانية مسارًا مهمًا نحو إعادة بناء الثقة والتعاون.

وهنا تكمن المفارقة.

فمدريد الرسمية اتخذت خلال السنوات الأخيرة موقفًا سياسيًا واضحًا تجاه قضية الصحراء، عندما دعمت مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسًا جادًا وواقعيًا وذي مصداقية لتسوية النزاع. وكان هذا التحول أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تجاوز مرحلة من التوتر بين الرباط ومدريد وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.

لكن أي تحرك تشريعي من شأنه إعادة إنتاج مقاربة مختلفة لملف الصحراء يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى الانسجام بين المسار الدبلوماسي الذي اختارته إسبانيا وبين بعض المبادرات التي تظهر داخل مؤسساتها السياسية والتشريعية.

ومن المنظور المغربي، فإن حساسية الخطوة لا تكمن فقط في عدد الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من الجنسية، وإنما في الدلالات التي قد تحملها هذه الخطوة مستقبلًا إذا تحولت الجنسية إلى مدخل لإعادة صياغة بعض المفاهيم المرتبطة بالإقليم.

فحين تمنح دولة أجنبية جنسيتها لأشخاص على أساس ارتباطهم بفترة استعمارية سابقة، فإن الأمر قد ينتقل من معالجة قانونية محدودة إلى نقاش أوسع حول الحقوق والتمثيل والحماية القانونية والمسؤولية التاريخية، وهي ملفات يمكن أن تحمل تداعيات سياسية على قضية الصحراء المغربية.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام إجراء قانوني محدود، أم أمام عودة تدريجية لبعض أدوات التأثير الإسباني في ملف الصحراء؟

لا يمكن الجزم مسبقًا بالنتيجة، ولا يجوز التعامل مع كل خطوة إسبانية باعتبارها مواجهة مباشرة مع المغرب، لكن في القضايا السيادية لا تُقاس المخاطر فقط بما هو معلن اليوم، وإنما بما يمكن أن ينتج عنه غدًا.

كما أن نتائج التصويت تكشف أن المشهد السياسي الإسباني نفسه ليس موحدًا. فقد دعم الاشتراكيون وحلفاؤهم المقترح، بينما امتنع الحزب الشعبي وحزب «جونتس»، في حين صوت حزب «فوكس» ضده. وهذا يؤكد أن ملف الجنسية المرتبط بالصحراويين أصبح جزءًا من التجاذبات السياسية الداخلية في إسبانيا، الأمر الذي يجعل من الضروري بالنسبة للمغرب أن يقرأ التطورات الإسبانية بدقة، وألا يسمح بتحويل قضية وطنية إلى ورقة في الصراع الحزبي الداخلي بمدريد.

بالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر برفض حق إسبانيا في سن قوانينها أو تنظيم جنسيتها، فلكل دولة سيادتها التشريعية. لكن السيادة التشريعية لدولة ما لا تمنحها حق إعادة تعريف سيادة دولة أخرى أو فرض قراءة جديدة لقضية وطنية مرتبطة بتاريخها وحدودها ووحدتها الترابية.

وهنا يجب أن تكون الرسالة المغربية واضحة: الصحراء المغربية ليست ملفًا إداريًا إسبانيًا، وليست إرثًا استعماريًا يمكن لمدريد أن تعيد استخدامه كلما تغيرت الحسابات السياسية.

لقد تغير المغرب كثيرًا منذ سنة 1975، وتغيرت موازين المنطقة، وتغيرت مواقف دولية عديدة تجاه قضية الصحراء. ولم يعد مقبولًا أن يُنظر إلى المغرب من خلال بقايا مرحلة استعمارية انتهت منذ عقود، أو أن تُستعاد تلك المرحلة كلما أرادت بعض الأطراف فتح نافذة جديدة للتأثير السياسي.

والرباط، في المقابل، ليست مطالبة بالدخول في مواجهة مع مدريد بسبب كل مبادرة برلمانية، وإنما مطالبة باليقظة والوضوح والثبات في الدفاع عن وحدتها الترابية ومصالحها الوطنية.

فالعلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تختزل في خلاف عابر، والمصالح المشتركة بين البلدين واسعة، لكن العلاقات القوية تحتاج إلى وضوح، والوضوح يعني أن المواقف التي تُعلنها مدريد تجاه المغرب يجب أن تكون منسجمة مع ما يصدر عن مؤسساتها السياسية والتشريعية عندما يتعلق الأمر بملف الصحراء.

أما تحويل الجنسية إلى مدخل لإعادة إنتاج نقاشات سياسية حول الإقليم، فإنه قد يفتح بابًا لا يخدم الاستقرار الذي تحتاجه المنطقة، ولا يخدم كذلك مسار الثقة الذي عمل البلدان على بنائه خلال السنوات الأخيرة.

والأهم أن مقترح القانون لم يدخل حيز التنفيذ بعد، ولا تزال أمامه مراحل تشريعية داخل مجلس الشيوخ الإسباني. ولذلك فإن الحكم على نتائجه النهائية يجب أن ينتظر المسار الكامل للنص، مع متابعة دقيقة لما قد يطرأ عليه من تعديلات وما سترافقه من مواقف سياسية.

لكن الرسالة التي ينبغي ألا تغيب عن المشهد واضحة: حين تدخل الجنسية في ملف الصحراء المغربية، فإن المسألة لا تعود مجرد أوراق ثبوتية، بل تصبح قضية تستحق قراءة سياسية وقانونية دقيقة.

المغرب يعرف جيدًا أن الدفاع عن وحدته الترابية لا يكون بالصوت المرتفع وحده، وإنما بالحضور الدبلوماسي، وبقوة الحجة، وبالوعي بالتفاصيل، وبالقدرة على قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة.

ومن مدريد إلى الرباط، يبقى الثابت أن قضية الصحراء المغربية ليست مادة للمزايدات الحزبية، ولا ورقة يمكن أن تتغير دلالاتها بتغير الحكومات والبرلمانات، وإنما قضية وطنية راسخة في وجدان المغاربة وفي ثوابت الدولة المغربية.

ولهذا فإن أي تحرك يمس هذا الملف سيظل محل متابعة مغربية دقيقة، لأن المغرب قد يختلف مع حكومات، وقد يناقش قوانين، وقد يواجه مواقف سياسية، لكنه لا يساوم على وحدته الترابية.

الصحراء مغربية، والمغرب أولًا، والدبلوماسية المغربية تعرف متى تصمت، ومتى تتحدث، ومتى تقول بوضوح إن بعض الملفات لا تحتمل إعادة التأويل.

عاش المغرب، وعاش الملك، ولا غالب إلا الله.

بقلم الإعلامية / الكاتبة نرجس قدا

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى