سبتة ومليلية… وطنٌ لا ينسى

سبتة ومليلية… وطنٌ لا ينسى
بقلم: نرجس قدا
سبتة ومليلية ليستا مجرد اسمين على خريطة، وليستا قضيتين يمكن أن يطويهما النسيان مهما تعاقبت السنوات. بالنسبة للمغرب، هما جزء من التاريخ والذاكرة والسيادة، وجزء من أرض يرى المغاربة أنها مغربية، وأن ما فرضه الاحتلال عبر التاريخ لا يمكن أن يمحو حقيقة الانتماء.
حين نتحدث عن سبتة ومليلية، فنحن لا نتحدث عن مدينتين بعيدتين عن المغرب، بل عن مدينتين تقعان في شمال المملكة، داخل المجال الجغرافي المغربي، وتحملان تاريخًا طويلًا من الارتباط بالمغرب وشماله. مليلية وقعت تحت السيطرة الإسبانية سنة 1497، أما سبتة فانتقلت من السيطرة البرتغالية إلى الإسبانية، وظل المغرب عبر مراحل تاريخية مختلفة يطالب باسترجاع المدينتين، ولم تكن قضية سبتة ومليلية يومًا غائبة عن الذاكرة الوطنية المغربية.
ولهذا، فإنني أرى أن اختزال القضية في مجرد خلاف سياسي عابر هو تجاهل للتاريخ وللمشاعر الوطنية للمغاربة. فالاحتلال، مهما امتدت مدته، لا يجعل الحق باطلًا، ولا يجعل الأرض تنسى أصحابها، ولا يمكن لمرور الأجيال أن يمحو من الذاكرة قضية ارتبطت بالوطن والسيادة.
والمغرب حين يتمسك بموقفه لا يعني أنه يبحث عن مواجهة مع إسبانيا أو يريد خصومة مع الشعب الإسباني. إسبانيا جارة للمغرب، وبين الشعبين علاقات إنسانية واقتصادية وثقافية كبيرة، وهناك مصالح مشتركة كثيرة تجمع البلدين. لكن حسن الجوار لا يعني أن يتخلى المغرب عن ثوابته، ولا يعني أن يُطلب من المغاربة أن ينسوا مدينتين يعتبرونهما جزءًا من أرضهم وتاريخهم.
ناصر بوريطة عبّر في سياق سابق عن حقيقة مهمة عندما قال إن «مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس»، وهي عبارة تحمل دلالة سياسية كبيرة. فالمغرب اليوم دولة تعرف مصالحها، وتعرف كيف تدافع عن قضاياها، وتمتلك أدوات دبلوماسية واقتصادية وسياسية تجعلها أكثر قدرة على التعامل مع الملفات الحساسة بعقلانية وقوة في الوقت نفسه.
وما يحدث اليوم حول سبتة ومليلية يؤكد أن القضية لم تُدفن كما يتمنى البعض. فكلما عاد الحديث عنها، عاد معه سؤال التاريخ والجغرافيا والسيادة. ومهما كان الموقف الإسباني الرافض لمناقشة السيادة على المدينتين، فإن رفض طرف ما مناقشة قضية لا يعني أن القضية انتهت، ولا يعني أن الطرف الآخر تخلى عن موقفه.
أنا لا أؤمن بأن استرجاع الحقوق يكون بالصراخ أو بالحروب، وإنما أؤمن بأن الدول القوية تعرف كيف تنتظر، وكيف تتحرك، وكيف تستخدم الدبلوماسية والاقتصاد والعلاقات الدولية لخدمة مصالحها. المغرب يستطيع أن يحافظ على علاقاته مع إسبانيا، وفي الوقت نفسه يحافظ على موقفه من سبتة ومليلية، لأن الصداقة بين الدول لا تعني التنازل عن الذاكرة الوطنية.
وقد يسأل البعض: هل سيأتي يوم تعود فيه سبتة ومليلية إلى المغرب؟
لا أحد يستطيع أن يحدد ماذا سيحمل المستقبل، فالتاريخ مليء بالأحداث التي ظن الناس في وقتها أنها مستحيلة، ثم تغيرت الظروف وتغيرت معها الخرائط والموازين. لذلك لا أعتقد أن المطلوب من المغرب أن يتخلى عن قضيته لمجرد أن حلها قد يحتاج إلى وقت وصبر ودبلوماسية طويلة النفس.
هناك فرق كبير بين الانتظار والتنازل.
المغرب يستطيع أن ينتظر، لكنه لا ينسى.
ويستطيع أن يحافظ على علاقته مع إسبانيا، لكنه لا يتخلى عن قضيته.
ويستطيع أن يدعو إلى السلام، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بما يعتبره حقًا تاريخيًا وجغرافيًا.
ومن وجهة نظري، فإن سبتة ومليلية يجب أن تبقيا حاضرتين في الوعي المغربي، ليس من أجل نشر الكراهية تجاه إسبانيا أو الإسبان، وإنما من أجل الحفاظ على الذاكرة الوطنية. فنحن لا نريد حربًا، ولا نريد عداوة بين شعبين جارين، ولكننا أيضًا لا نريد أن نُطلب منا أن ننسى.
أنا كمواطنه مغربية ، عندما أكتب عن هذه القضية، لا أكتب من أجل إشعال الخلاف، وإنما أكتب لأنني أؤمن أن هناك قضايا وطنية لا يجوز أن تتحول مع مرور الوقت إلى مجرد سطور في كتب التاريخ. سبتة ومليلية بالنسبة للمغاربة ليستا مجرد مدينتين على الخريطة، وإنما هما جزء من ذاكرة وطن، ومن حق كل وطن أن يتمسك بذاكرته وبما يراه من حقوقه.
قد تتغير الحكومات، وقد تتغير التحالفات، وقد تتبدل الظروف السياسية، لكن الذاكرة الوطنية تبقى.
ولذلك فإن رسالتي واضحة: المغرب لا يبحث عن الحرب، ولا يريد العداء، ولكنه أيضًا لن يتنازل عن قضاياه الوطنية.
وسبتة ومليلية ستبقيان في الوجدان المغربي مدينتين مغربيتين، وستظل قضيتهما حاضرة ما دام هناك مغربي يؤمن بأن للأرض تاريخًا، وللوطن ذاكرة، وللحقوق وقتها الذي قد يأتي حين تتغير الظروف.
وربما لا نعرف متى يأتي ذلك اليوم، لكننا نعرف شيئًا واحدًا: أن المغرب لا ينسى أرضه، وأن ما لا يتحقق اليوم قد يحققه المستقبل.




