قصص

زوجي وصديقة الغُربة

زوجي وصديقة الغُربة.. 

نهى عراقي

في الغُربة، لا يكون الوطن مجرد أرضٍ تركناها خلفنا، بل يصبح الأشخاص الذين نحبهم وطنًا صغيرًا نحمله معنا أينما ذهبنا؛ وطنًا لا تحدّه خرائط، ولا يحتاج إلى جواز سفر.

ولهذا كانت مريم تعتبر صديقتها عبير أكثر من مجرد صديقة.

كانتا تعيشان في بلد أوروبي بعيد، لا أهل حولهما، ولا شوارع تحفظ أسماءهما، ولا أحد يعرف حكاياتهما القديمة. كانتا وحدهما في أرضٍ باردة، فصارت كل واحدة منهما للأخرى نافذةً تطل منها على شيء يشبه الوطن.

كانت مريم تقول دائمًا

عبير أختي التي اختارتها لي الغُربة.

وكانت تثق بها ثقةً لا تحتاج إلى دليل، ولا تعرف أن بعض الثقة حين توضع في القلب بلا حراسة، قد تتحول يومًا إلى خنجرٍ يعرف موضعه جيدًا.

كانت مريم تفتح لها بيتها كل يوم.

يأكلان معًا، ويشربان، ويلعب الأبناء في أرجاء البيت، ويمتد السمر حتى ساعات متأخرة من الليل، إلى أن يعود مصطفى زوج مريم، من عمله.

في النهار كانت مريم تصنع الأكلات المصرية الشهية التي لا تجيد عبير إعدادها، وفي الليل تشوي الكستناء اللذيذة، فتنتشر رائحتها في البيت وتدفئ برودة الغربة.

كانت مريم لعبير بيت العائلة الذي لم تكن تملكه هناك؛ حضنًا مفتوحًا لها ولأبنائها، ووجهًا مأمونًا في بلادٍ لا يعرفون فيها سوى القليل.

وكانت عبير تشدو بأجمل الكلمات الدافئة في مدح مريم، تقول لها إنها الأخت التي لم تنجبها أمها، وإنها لا تستطيع الاستغناء عنها.

وكانت مريم تصدقها.

لم تكن تعرف أن بعض الكلمات الدافئة قد تخفي تحتها بردًا أشد قسوة من شتاء الغربة.

كانت مريم تظن أن مصطفى رجل طيب، محب لبيته وأسرته، وأن ما بينهما من سنوات العِشرة أقوى من أي عابرٍ يحاول الاقتراب منهما.

لكن بعض الظنون حين تُبنى على الاطمئنان، لا تصمد أمام اختبار الخيانة.

بدأت مريم ومصطفى حياتهما من الصفر.

عملا كثيرًا… ووفّرا القليل.

كانا يحسبان المصروفات بدقة، ويؤجلان رغباتهما الصغيرة من أجل أحلام أكبر.

ثم، شيئًا فشيئًا، بدأت الحياة تبتسم لهما.

استقرت أمورهما، وصار لهما بيت صغير، وطفلان، وذكريات كثيرة.

وكانت مريم ترى في ذلك البيت أكثر من جدران وسقف.

كان بالنسبة إليها ثمرة سنوات الغربة، وشاهدًا صامتًا على التعب الذي تقاسماه معًا.

كل قطعة فيه كانت تحمل حكاية.

الطاولة التي اشترياها بالتقسيط.

الأريكة التي اختاراها بعد أشهر من الادخار.

صورة زفافهما المعلقة في غرفة الجلوس.

وحتى النباتات الصغيرة التي زرعتها مريم على الشرفة كانت بالنسبة إليها جزءًا من عمرها؛ كانت تسقيها كما لو أنها تسقي سنواتها.

لكن عبير كانت ترى البيت بطريقة أخرى.

كانت تنظر إلى حياة صديقتها بعينٍ لا تقول شيئًا، بينما كان الصمت يخفي خلفه حسابات طويلة.

كانت تريد أن تأتي أختها إلى أوروبا.

وكانت تعرف أن الطريق ليس سهلًا.

فكرت طويلًا…

ثم وجدت الطريق الأقصر.

زوج صديقتها.

لم تكن تبحث لأختها عن زوج بالمعنى الطبيعي للكلمة.

كانت تبحث عن جسرٍ يعبر بها إلى أوروبا.

وانتهزت سفر مريم إلى مصر، واقتربت من مصطفى، وكان هو لديه استعداد لذلك.

كانت تعرف الكثير عن حياتهما، وتعرف تفاصيل مشكلاتهما الزوجية، وتعرف أين تضع إصبعها حتى تؤلم، وأين تنفخ في الرماد حتى تشتعل النار.

كانت تلعب على المسافة الصغيرة بين الزوجين، وتنفخ فيها حتى تصبح جدارًا.

تقول لعمر ما يجعله يشعر بأنه مظلوم.

وتُسمعه الكلمات التي يريد سماعها.

وتمنحه ذلك الشعور الخطير بأنه مرغوب ومفهوم.

كانت تمد له يدًا تبدو في ظاهرها يد إنقاذ، بينما كانت تخفي خلف ظهرها حبلًا تجرّه به بعيدًا عن بيته.

يدٌ تمسح دمعة صديقتها، ويدٌ أخرى تسرق منها حياتها.

لم يكن مصطفى يعرف في البداية أنه يسير نحو هاوية.

فالهاوية لا تضع لافتةً تحذر السائر إليها.

كان يظن أنه يخطو نحو حياة جديدة، بينما كان في الحقيقة يترك خلفه سنواتٍ كاملة، وبيتًا، وامرأةً أحبته، وطفلين لا ذنب لهما في خيانة الكبار.

ثم قالت عبير له إن الطريق إلى أختها يمكن أن يبدأ بالتواصل معها.

وسافر مصطفى وعبير إلى مصر.

هناك تمت الخطبة.

وقدم مصطفى لولاء شبكة ثمينة من الماس.

وكانت المفارقة جارحة إلى حد السخرية.

الرجل نفسه الذي لم يُعِد لمريم حليَّها التي اقترضها منها، كان يشتري لأخت عبير الماس.

يا لها من سخرية سوداء!

لم تكن مريم تعرف يومها هل تبكي على ما فقدته، أم تضحك من مفارقة رجلٍ نسي ما كان عليه، وهو يحاول أن يبدو كريمًا أمام امرأة أخرى.

وحين علمت مريم بما حدث، لم تصرخ.

لم تركض خلفه…لم تتوسل..فهي في قناتها وكبريائها..يمنعاها من أن تحارب من أجل ذكر استباح قبض روحها..فهو سرق عمرها وأحلامهما ومستقبل أطفالها.

تركته يغوص في ذلك الوحل الذي اختار أن يمشي إليه بقدميه.

كانت تعرف عبير، وتعرف أخواتها، وتعرف الكثير عن سلوكهن، وكانت تفهم جيدًا ماذا تريد عبير من مصطفى.

كانت تعرف أن المسألة لم تكن قصة حب.

كانت صفقةً ارتدت ثوب الزواج.

تم الطلاق بين مريم ومصطفى.

وتزوج مصطفى ولاء، أخت عبير، وسافرت معه إلى أوروبا.

ثم لم يكتفِ مصطفى بالطلاق، بل قام بإلغاء إقامة مريم وطفليها، وكأنه يريد أن يمحوهم من المكان الذي بنى فيه معهم سنوات حياته.

أراد أن يغلق الباب خلفه بإحكام، حتى لا تعود مريم إلى تلك البلد مرة أخرى، وحتى يتفرغ لحياته الجديدة.

ولم يكتفِ بذلك.

امتنع عن الإنفاق على أطفاله، وطردهم من بيتهم في مصر، فعادت مريم إلى بيت والدتها، تحمل طفلين وقلبًا أثقل من سنوات الغربة كلها.. لكن مريم لم تستسلم للكسر.

فهي تعلم أن بعض البيوت تُبنى بالحجارة، وبعضها يُبنى بالوفاء، وحين يسقط الوفاء، لا تنفع الجدران مهما علت.

كانت قد خسرت زوجًا، لكنها لم تخسر نفسها.

وخسرت بيتًا، لكنها لم تفقد قدرتها على بناء بيت آخر داخل روحها.

وهكذا لم تكن مريم المرأة التي تركها زوجها وصديقتها.

كانت المرأة التي تركتهما معًا خلف ظهرها، ومضت.

لم تلتفت إلى الباب الذي أُغلق في وجهها، بل بدأت تبحث عن نافذة.

استلمت ولاء أوراق الإقامة، وتعلمت اللغة جيدًا، وعرفت الكثير من قوانين البلد التي تنصف المرأة وتحمي حقوقها.

وهنا ظهر الوجه القبيح لعبير وولاء.

افتعلت ولاء مشكلة مع مصطفى، وتدخلت الشرطة.

وفي ليلة باردة، أخرجته الشرطة من المنزل.

وجد مصطفى نفسه في الخارج، بلا بيت يأويه، يقضي ليلته في سيارته تحت بردٍ قارس، وكأن الحياة كانت تريه في ساعاتٍ قليلة شيئًا من الشتاء الذي صنعه بيديه لامرأةٍ وأطفالها.

حاول أن يفعل شيئًا مع ولاء..لكن الأمور خرجت من يده.

استسلم لما حدث.

وانتهى الزواج بالطلاق.

وفي النهاية، خسر مصطفى بيته، وزوجته، وأطفاله، وامرأةً أخلصت له الوفاء بكل معانيه.. أما مريم، فلم تعد المرأة التي تنتظر عودته.. كانت قد قطعت آخر خيط يربطها بالماضي.

 

بدأت من جديد.. عادت إلى العمل، درست.، وطورت نفسها.

دخلت مجالًا لم تكن تجرؤ على دخوله من قبل.

كانت كل خطوة تخطوها كأنها تستعيد قطعة من المرأة التي كانت عليها قبل الزواج..ثم بدأت تظهر في المجتمع.

شاركت في فعاليات.

تحدثت عن تجارب المرأة العربية في الغربة.

ثم أصبحت معروفة.

وبمرور الوقت، أصبحت شخصية عامة لها حضورها وصوتها.

المرأة التي خرجت من بيتها يومًا مكسورة…

صارت تقف على المنصات أمام المئات.

تتحدث بثقة..تضحك، وتكتب.. وتشارك في مبادرات اجتماعية..وأصبح اسمها يُذكر باحترام.

 

وفي أحد الأيام، رن هاتفها..نظرت إلى الشاشة..كان مصطفى.

ترددت لحظة، ثم أجابت.

جاءها صوته مهزومًا، مخذولًا، مثقلًا بما فعله وما حدث له:

“مريم… سامحيني. ليتنا نعود من أجل أطفالنا.

صمتت..لم تكن في داخلها رغبة في الانتقام.

كان هناك شيء أبعد من الانتقام..كان هناك اكتفاء.

أغلقت الهاتف دون أن تجيبه..ففي بعض الحكايات، لا يجدي العتاب.

وحين ينكسر شيء في القلب إلى هذا الحد، لا تصلحه كلمة “سامحيني”..لقد سامحته ربما…

لكنها لن تعود…وفي تلك الليلة، جلست مريم أمام نافذتها.

أشعلت ضوءًا صغيرًا، وأمسكت قلمها.

وظلت للحظات تنظر إلى الورقة البيضاء، كأنها تنظر إلى عمرها كله..الذي سرقته الغربة..وذلك اللص الذي استباح هزيمتها وكسرها، وقتل رَوحها وذبح قلبها.

ثم كتبت..

“هل نُعاقَب على حسن نوايانا وإخلاصنا؟”

ثم توقفت…ابتسمت ابتسامةً هادئة.

ربما لم تكن الحياة تعاقبها…

ربما كانت فقط تنتزع منها ما لم يعد يليق بها.

رفعت رأسها، ونظرت حولها.

لم ترَ تلك المرأة التي هُزمت يومًا.

رأت امرأةً نجت…امرأةً دفنت سنوات الألم، دون أن تدفن قلبها.

امرأةً خرجت من الحريق وهي تعرف أن الرماد ليس نهاية الأشياء؛ أحيانًا يكون أول تربةٍ يُزرع فيها العمر من جديد.

فتحت النافذة.

دخل هواء وطنها الحبيب، واختلط بنسمة باردة من أوروبا.

ابتسمت.

لقد كانت الغربة يومًا سجنًا كبيرًا…أما الآن؟

فأصبحت هي من تملك مفاتيح حياتها.

وعرفت أخيرًا أن بعض الخيانات لا تأتي لتُنهي حياتنا، بل تأتي لتدفعنا خارج الحياة التي كنا نعيشها خوفًا من فقدانها.

وأن بعض الأبواب التي تُغلق في وجوهنا، تكون في الحقيقة أبوابًا تُغلق خلفنا كي لا نعود إلى المكان الذي كسرنا.

وأن بعض النهايات ليست مقابر للأحلام…

بل ممرات سرية تقودنا إلى حياةٍ أجمل، وأقوى، وأكثر شبهًا بنا.

لم تعُد مريم تحلم باستعادة ما فقدته.

لقد أصبحت هي الشيء الذي لم يعد بإمكان أحد أن ينتزعه منها..نفسها.

 

زوجي وصديقة الغُربة
نهى عراقي

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى