ثقافة

الطبيعة وأثرها على تجربة الشاعرة صورية حمدوش في ديوان أأنت زليخة

الطبيعة وأثرها على تجربة الشاعرة صورية حمدوش
في ديوان أأنت زليخة

بقلم د. أمل درويش

يعيش الإنسان في دورة حياة لصيقة بالكون والطبيعة من حوله؛ إذ ينفصل الحبل السري الذي يصل الوليد بأمه، ليظل الإنسان متعلقا بحبل آخر يربطه بالكون المحيط به، والطبيعة التي تمنحه من روحها وتلهمه الوعي وتنمي مداركه ليعيش في كنفها، فتنجلي له كنوز المعرفة وتتفتق مواهبه فيحلق عاليا مع نوارس الفكر وفراشات الإبداع.
وقد أنبتت بذور الإبداع لدى الشاعرة صورية حمدوش لنمضي في رياض إبداعاتها ونقطف أزهار الوعي والفكر الرقيق الشفاف الذي تتجلى فيه موهبة التأمل والتماهي في جمال الكون وبدائع الرحمن.
وكما اعتادت الشاعرة الغوص في بحار التأمل الصوفي على خطى مولانا جلال الدين الرومي، والاندماج مع الكون السرمدي والتحليق في فضاءاته استرشادا بمسيرة شمس التبريزي لتنثر لنا معزوفاتها البديعة.
نجدها في ديوان “أأنت زليخة” قد اتجهت للتعبير عن الذات، واستحقاقها للمكانة السامية التي يجب أن تحتلها، فنجدها في قصيدة “أأنتِ زليخة” قد بدأتها بالقسم برب الكعبة الذي أطلقه الناس ثم وصفها بأنها زليخة، مضرب الحسن والجمال وسيدة العشق، ثم تكمل الشاعرة مؤكدة على قسمهم بأن يوسف يسكن القلب، ثم تبدأ في وصف ذاتها وقدرتها على العشق والجود بكل مشاعر الود والحنان.
وتستخدم تعبيرات قوية صادقة نابضة بالعشق والدلال فتقول:
أما أنا الاستثناء
طيني معجون بماء الحب
في خلواتي سعادة من الرب…
ثم تقول:
الجنان صنيعتي
ولا أنتظرها هبات أتكففها
فروحي عوالم أكوان..
لتؤكد لنا الشاعرة ارتباطها الوثيق بالكون، وأنها مركزه وأصل العطاء.
ثم تعود في قصيدة “أصلي بالسؤال” لتبدأها بوصفها حالة استثنائية فتقول:
أنا امرأة لا تسكن الجسد
بل تستعيره؛ كما تستعير الروح المعنى
ثم تمضي..
وتستطرد الشاعرة في وصف القيود التي يفرضها المجتمع على المرأة، ثم تصف روحها التي تأبى الخضوع لهذه القيود، وتحاول التحرر منها، وتخلص إلى وصف حالتها بعد التحرر من هذه القيود والتقرب إلى الله بطريقتها فتقول:
أنا امرأة تصلي بالسؤال،
وتؤمن بالدهشة،
وترى في الشك سلما لا هاوية..
روحي نصي الوحيد
وقلبي قبلتي
والحرية أقرب أسمائه إليّ
فدعوني أمر
كما تمر الأنفاس لا ترى
لكنها تحيي كل شيء.
وأما في قصيدة “رسالة شاعرة” فتقدم لنا الشاعرة خارطة طريق لكل مبدعة تهوى الشعر وتكتبه، تصف لنا حالة النشوة والتحليق في فضاء الشعر، وكيف تملك الشاعرة البصيرة التي تجعلها ترى النص في عيون البشر قبل أن يستشعروه، وتميز الفرح حين يتخفى في شكل دموع، تنثر الحكمة في جنبات الصمت، وتفتح أبواب الدهشة والحوار الذي لا ينتهي، تقف بين الحلم والحقيقة.
وتنهي قصيدتها بكلمات تلخص تجربتها فتقول:
امرأة تحمل في قلبها حدس العاصفة
وفي عينيها هدوء البحر بعد الفهم
وسيدة الحكمة
لا تشرح العالم.. بل تعيد كتابته.
وتعود الشاعرة في قصيدة “ربابة الشوق” حيث اختارت الغياب ليكون آلة موسيقية وهي الربابة تلك الآلة الوترية البدائية التي تصدر صوتا عذبا رقيقا ومعبرا عن الشجن، ليكون صوت الغياب الذي يحيي الذكريات، ويجدد الحنين، ثم تشبه الشاعرة الأحبة بأنهم أوطان صغيرة محفوظة بداخل الصدور، وتصف القلوب المولعة والمتأججة بنيران اللهفة والشوق بأنها بيوت دون نوافذ تعاني الظلام ولا أمل في ضوء يبدد حيرتها.
وتعود لتفسر سبب اختيار الربابة فتخبرنا أن الغياب وتر حزين يبعث في الروح نغمات أعمق، ونظل على هذه الحالة من الوجد والهيام ما دمنا نعيش وما دامت الشمس تشرق.
وتعزف الشاعرة على أوتار الزمن فتعود إلى الطفولة وذكرياتها التي لا تنسى، في قصيدة “وقفات” حيث تسرد الشاعرة تجربتها مع البشر خلال سنوات العمر، براءة الطفولة المتميزة التي عاشتها كأميرة متوجة، ثم سنوات الصبا، وكيف كانت مشاعر الاحتواء تجعلها مصدر الثقة والملجأ لأقرانها، ثم مرور الزمن، وتلقي طعنات الغدر من المقربين؛ لتخلص بالنهاية أن أوفى صديق هو القلم كما شبهته بالوطن الأخير..
وقد حملت القصيدة الكثير من التعبيرات الجمالية المرتبطة بالطبيعة وجمالها، كما عرضت بعض أوجه الخلاف بين الحضر والبدو.
وما زلنا مع الزمن والمتغيرات التي تطرأ على الشخصية مع مرور الوقت كما وضحت الشاعرة في قصيدة “الآن”، فتنفي الشاعرة فكرة تبدل الحياة، ولكنها تؤكد أن الروح هي التي تنضج وتتعلم من خلال التجارب التي تصقل الشخصية.
وتصف الروح بأنها زهرة تتفتح في قلب عواصف الحياة، وتخلص الشاعرة أننا لا يجب أن نبحث عن الطمأنينة حولنا؛ فهي تسكن بداخلنا، ثم تصفها بالنور القديم ينتظر أن نصدقه.
ثم تؤكد الشاعرة على نضج تجربتها، بعبور كل الأزمات بطريقة سلسة، دون أن تعكر صفو روحها، وتكدر أيامها.
ومما تقول الشاعرة في هذا الوصف:
أدركت أن الطمأنينة ليست مكانا نصل إليه
بل طريقة الروح
حين نتصالح مع نورها
وتمضي الشاعرة في قصيدة “كل متوقع آت” لتصف لنا قدرتنا على تشكيل مصيرنا، وتحديد اختياراتنا في الحياة، وتمضي مؤكدة رغبتها في تشكيل حياتها واختيار طريقها كما تريد؛ فتقول:
سأكتب أيامي كما أشتهيها:
نافذة واسعة للشمس
وقلبا لا يعتذر عن فرحه
وأحلاما تتسع لخطواتي القادمة
وأشخاصا يشبهون الضوء.
ولم تغفل الشاعرة المكان في ديوانها، فاختارت “قرارم – قوقة – ثريا – القلب” لتكون عنوان إحدى قصائدها التي تحدثت فيها عن بلدتها قرارم فتقول:
ليس اسما من حجر،
ولا أكواما ترمى على أطراف النسيان
بل لآلئ تحت غبار السنين
تنتظر كفا تعرف كيف تحب
وكيف تنقذ الضوء من العتمة.

وهكذا فقد قدمت الشاعرة مجموعة متنوعة من القصائد التي ارتبطت فيها المشاعر الإنسانية بالكون والطبيعة وتعلقت بها، وانعكست على رؤيتها للأمور وزادت من بصيرتها ووعيها.
كل التوفيق للشاعرة القديرة صورية حمدوش.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى