سرد بلا حدود نجدة أنزور… محمود أبو العباس… بسام الأسعد… ومشروع سعودي إماراتي لم يولد وتاريخ الاندلس
سرد بلا حدود
نجدة أنزور… محمود أبو العباس… بسام الأسعد… ومشروع سعودي إماراتي لم يولد
وتاريخ الاندلس
بقلم: السيد حافظ
لا أتذكر إن كان ذلك صباحًا أم مساءً، وربما كانت الظهيرة. ما أتذكره جيدًا أن الهاتف رن وأنا أقضي أيامًا هادئة في شقة بشارع فيصل.
جاءني صوت المخرج الكبير نجدة أنزور.من دبى
قال:”أما آن الأوان أن نلتقي؟”
قلت:”بكل سرور.”
قال:”تعال إلى دبي.”
ثم انتقلت السماعة إلى بسام سعد، مدير الانتاج الفلسطينى الشهير الذي طلب صورة جواز السفر، وتولى إجراءات الدعوة والتأشيرة. وبعد أيام كنت في طريقي إلى دبي، ولم تكن تلك أول زيارة لي إليها كنا فى عام 2005.
في الفندق كان في استقبالي الفنان العراقي الكبير محمود أبو العباس، الصديق العزيز الذي جمعتني به سنوات طويلة من المودة والعمل والذكريات. ابتسم وهو يقول:
“أنا الذي رشحتك. الأستاذ نجدة أنزور يبحث عن كاتب يشارك في ورشة إعداد مشروع مسرحي كبير لمهرجان الجنادرية.”
دخلت الورشة، وكان يشارك فيها كتاب من أكثر من بلد عربي، وكانت تجربة ثرية تستحق أن تُروى وحدها.
أما بسام الأسعد، فقد كان يدير تفاصيل الإنتاج بعقلية مدير إنتاج شديد الحرص على ضبط المصروفات. وقد اختلفت معه يومها في طريقة إدارة المخصصات المالية، وشعرت شخصيًا أن ما حصلنا عليه لم يكن على مستوى حجم المشروع، خاصة بعد تحويل المستحقات من الدولار إلى الدرهم الإماراتي. وهذه شهادة تخص تجربتي الشخصية وحدها.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت في لقاء جمعني بنقدت أنزور.ذات غداء فى مطعم
كنت أحدثه عن حلم قديم لدي، هو تحويل روايتي كافور الاخشيد إلى مسلسل تلفزيوني، وهو مشروع ما زلت أرى أنه يحتاج إلى مؤسسة إنتاج كبيرة ومخرج استثنائي.
وفجأة قال لي:
“هناك مشروع كبير اقترحت الشيخ محمد بن راشد حاكم دبى وهو تقديم تاريخ الأندلس في عمل تلفزيوني ضخم… اكتب لي تصورك.”..وعدد الحلقات مفتوح ..وانا رجل عاشق لتاريخ.المرحلة الأندلسية من خلال العبقري محمد عبد الله عنان الذى كتب عن الاندلس بشكل عبقرى ويستحق أن يكتب بماء الذهب..ولم يحصل على اى تقدير
عدت إلى الفندق، وجلست ليلًا أمام مياه الخليج، أفكر.
كم حلقة يحتاج تاريخ الأندلس؟
مائة؟
مائتان؟
ثم اكتشفت أن السؤال نفسه غير صحيح.
تاريخ الأندلس لا يكتبه كاتب واحد، مهما بلغت موهبته. إنه مشروع حضاري يجب أن تشارك فيه عقول الأمة كلها.
تذكرت مؤرخ الأندلس العظيم عبد الله عنان، ذلك العالم النبيل الذي أرى أن الثقافة العربية لم تمنحه ما يستحقه من تقدير، كما تذكرت ابنه حسين عنان، صديقي العزيز.
ثم بدأت أكتب.
كتبت أنني أكتفي بكتابة ثلاثين حلقة فقط،عن هشام الثالث وأن المشروع ينبغي أن يكون مشروعًا عربيًا جامعًا، لا عملًا فرديًا. لذلك رشحت نخبة من كبار المبدعين العرب، هم: محفوظ عبد الرحمن، وأسامة أنور عكاشة، ومجدي صابر، وحسن زايد، ومحمد جلال عبد القوي، ووليد سيف، ومحمود الزيودي، وأحمد جمعة، وعبد الكريم برشيد، وعز الدين المدني، ومحمد الماغوط، وسمير العيادي، ومحمد المديوني، وحمد جلال عبد القوى وعبد الرحمن بن زيدان، إلى جانب أسماء عربية أخرى من مختلف الأقطار، على أن يكتب كل واحد ثلاثين حلقة، فتخرج للأمة العربية موسوعة درامية كبرى عن الأندلس، تتعدد فيها الأصوات وتتحد فيها الرؤية.
في صباح اليوم التالي، قدمت الورقة إلى نقدت أنزور.
قرأها في صمت.
ثم رفع رأسه ونظر إليّ مستغربًا، وقال:
“أنا أطلب منك أن تكتب المشروع، وأنت تقترح كل هؤلاء؟”
ابتسمت وقلت:
“لأن الأندلس أكبر من كاتب واحد، وأكبر من موهبة واحدة. إنها مشروع حضاري للأمة كلها، ولا يليق بتاريخها إلا أن تكتبه نخبة من كبار مبدعيها.”..
لا أعرف ماذا كان مصير تلك الورقة بعد ذلك.
ولا أعرف لماذا لم يولد المشروع.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
أن الأمم التي تريد أن تكتب تاريخها لا تبحث عن بطل واحد، بل تصنع بطولة جماعية. وما زلت، حتى اليوم، أؤمن بأن مشروعًا عربيًا عن الأندلس، يشارك فيه كبار كتاب الوطن العربي، كان يمكن أن يصبح أعظم عمل درامي في تاريخ التلفزيون العربي، لو كُتب له أن يرى النور.
لكننا فى انشغال بمسلسلات الحارة الشعبية فى مصر وأولاد الحارة فى سوريا
احنا فى حالة مسخرة.خرجنا من التاريخ واجعلنا فيه النار..
السيد حافظ
القاهرة
الهرم
…..
….
رأى الذكاء الاصطناعي جروك
رأيي في النص: صادق، نبيل، ولكنه يحمل مرارة مفهومة.
النص جميل في أسلوبه السردي، يقرأ كشهادة شخصية حية وليس مجرد مقال. السيد حافظ يمتلك قدرة على نسج الذكرى بالتأمل والرؤية الحضارية، وهذا ما يجعله مؤثرًا. خاصة في أجزاء وصف اللقاء مع نجدة أنزور ومحمود أبو العباس، وتأمله أمام مياه الخليج، وتذكره لـمحمد عبد الله عنان (الذي فعلاً يُعد من أعظم من كتب عن الأندلس بموضوعية وعمق).
النقاط القوية:
الرؤية الحضارية: فكرته في أن تاريخ الأندلس ليس مشروع كاتب واحد، بل “مشروع حضاري للأمة”، فكرة عميقة وصحيحة. حضارة استمرت ثمانية قرون، مليئة بالفتوح والسقوط والازدهار العلمي والفتن الداخلية، تحتاج فعلاً إلى عمل جماعي يتعدد فيه الأصوات (مثل ما حدث في بعض الأعمال الغربية الكبرى عن التاريخ).
النقد الصريح للواقع الدرامي العربي الحالي (“مسلسلات الحارة الشعبية” و”أولاد الحارة”) صادم وموجع، لكنه واقعي. نحن فعلاً خرجنا من التاريخ إلى “النار” (كما قال).
التواضع النسبي: رغم أنه كاتب كبير، اقترح توزيع العمل على نخبة من الكتاب (محفوظ عبد الرحمن، وليد سيف، محمد الماغوط، عز الدين المدني… إلخ). هذا موقف نادر وجميل.
الملاحظات النقدية:
النص يحمل نوعًا من المرارة الشخصية واضحة، خاصة في نقطة الخلاف المالي مع بسام الأسعد وتحويل الدولار إلى الدرهم. هذا مفهوم، لكنها جعلت النص أحيانًا يبدو دفاعًا عن موقف شخصي أكثر مما هو تحليل موضوعي لسبب فشل المشروع.
الفكرة مثالية جدًا. مشاريع بهذا الحجم (مئات الحلقات، عشرات الكتاب، إنتاج سعودي-إماراتي) تواجه عقبات هائلة: التنسيق، الرقابة السياسية، الاختلافات الأيديولوجية بين الكتاب، تمويل ضخم مستمر، وجمهور قد لا يتابع 100-200 حلقة عن تاريخ معقد. الأندلس موضوع حساس (فتن داخلية، سقوط، طرد المسلمين…).
المشروع لم يولد لأسباب أكثر تعقيدًا من “عدم الرغبة في العمل الجماعي”. السياسة، الأولويات الاقتصادية، والتغيرات في الإعلام العربي (صعود الدراما الخليجية الاجتماعية والترفيهية) لعبت دورًا كبيرًا.
خلاصة رأيي:
النص يعبر عن حلم جميل ومؤلم في الوقت نفسه: حلم أمة تريد أن تعيد اكتشاف عظمتها من خلال دراما تاريخية جادة، بدل الغرق في المسلسلات التجارية السهلة. السيد حافظ هنا يتحدث كمثقف عضوي يشعر بالمسؤولية الحضارية، وهذا نادر.
لو كُتب هذا المشروع بالشكل الذي اقترحه (حتى لو لم يكن 300 حلقة، بل 50-60 حلقة موزعة على كتاب مختارين بعناية)، كان يمكن أن يكون إنجازًا تاريخيًا حقيقيًا، خاصة مع الإمكانيات الإنتاجية الخليجية اليوم.
للأسف، الثقافة العربية غالبًا ما تفشل في تحويل الأحلام الكبيرة إلى واقع بسبب الفردية، الصراعات الجانبية، والانشغال بالسطحي. النص يذكرنا بهذا الإحباط المزمن.





