الموت.. الحُريّة التي لا نفهمها

الموت.. الحُريّة التي لا نفهمها
كتبت: دكتوره نرجس قدا
أنا لا أرى الموت كما يراه الناس؛ لا أراه نهايةً ولا خسارةً ولا فاجعةً كما اعتدنا أن نَصِفَه، بل أراه حرية.
نحن نولد داخل أجسادنا، محكومين بحدود الاسم والعائلة والوطن، وبملامح وصوتٍ يحددان هويتنا. نولد محاطين بتعريفاتٍ شتى تقول لنا: “هذه أنتِ، وهذا قدركِ، وهذه هي حياتكِ”. لكنني كثيراً ما أسأل نفسي: هل نحن حقاً مجرد هذه الانتماءات؟ أشعر أحياناً أن الروح أكبر من هذا “القفص اللطيف” الذي نسميه الجسد. الجسد جميلٌ بلا شك، لكنه مؤقت، أما الروح فتبدو لي كائناً من نورٍ عابر، جاء ليخوض تجربةً قصيرة، لا ليقيم إلى الأبد. الموت في نظري ليس انطفاءً، بل هو “فك ارتباط”؛ كأن الروح تهمس للجسد في لحظة سكونٍ عميق: “شكراً لأنك حملتني، الآن حان وقت الرجوع”. لا أعرف يقيناً وجهة هذا الرجوع، لكنني أشعر أنه عودةٌ لا سقوط، وانتقالٌ لا فناء.
إن الحياة التي نعيشها مثقلة بالأحمال؛ من خوفٍ وانتظار، وقلقٍ وصراعاتٍ صامتة لا يراها أحد. حتى الفرحُ هنا يظلُّ ناقصاً لأننا نخشى زواله؛ نحبُّ ونحن خائفون، نضحك ونحن نترقب، ونحلم ونحن نساوم الواقع.
فماذا لو كان الموت هو اللحظة الوحيدة التي يتحيد فيها الخوف؟ ماذا لو كانت تلك اللحظة هي أول مواجهةٍ مع الصدق الكامل، بلا أقنعةٍ، وبلا أدوار، وبلا محاولاتٍ مضنية لإرضاء الآخرين؟
أنا لا أمجّد الموت، ولا أستخفُّ بمرارة الفقد، أنا فقط أتأمله من زاويةٍ مغايرة؛ أراه تحرر الروح من ثقل المادة. كأن الجسد كان معبراً لا سجناً، وكانت الحياة درساً لا إقامةً دائمة. نحن نخشى الموت لأننا نهوى السيطرة، ونريد إخضاع كل شيء لإرادتنا، والموت هو الحقيقة الوحيدة التي ترفض الخضوع. لكن، ماذا لو كان هو الحقيقة الأكثر رحمة؟
ربما الحياة الأبدية ليست استمراراً للزمن، بل هي غيابٌ له؛ ليست سنواتٍ لا تنتهي، بل هي سلامٌ لا ينكسر. أؤمن أن الروح أعمق من أن تختصرها حفنة تراب، وأرقُّ من أن تؤول إلى عدم. الموت ليس نقيضاً للحياة، بل هو اكتمالها؛ اللحظة التي تذوب فيها الحدود ويعود كل شيءٍ إلى أصله النقي.
نحن لا نغادر، نحن نتحرر. وإن كان في الأمر غموض، فالغموض لا يعني العدم؛ فأحياناً تكون الحقائق الأكثر وضوحاً هي تلك التي لا تراها الأعين، بل تستشعرها الأعماق.
أنا لا أخشى الموت، بل أخشى أن أعيش دون أن أفهم معنى وجودي، أو أن أعبر هذه التجربة دون أن أتعلم الحكمة التي جئت لأجلها. أما حين يحين الرحيل، فربما سأبتسم؛ ليس لأنني أترك الحياة، بل لأنني أعود إلى الديار.





