من موسكو إلى إفريقيا… المغرب يرسم ملامح شراكة جديدة بلغة المصالح ورؤية المستقبل

من موسكو إلى إفريقيا… المغرب يرسم ملامح شراكة جديدة بلغة المصالح ورؤية المستقبل
بقلم الإعلامية والكاتبة نرجس قدا
لم تكن مشاركة رئيسة الحكومة المغربية، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، في القمة الروسية الإفريقية الثالثة بموسكو مجرد حضور دبلوماسي عابر، بل جاءت محمّلة برسائل سياسية واقتصادية تعكس رؤية المغرب لموقعه داخل القارة الإفريقية، وطبيعة الشراكات التي يسعى إلى بنائها مع القوى الدولية.
ومن خلال قراءة مضمون الكلمة التي ألقتها المنصوري خلال الجلسة العامة للقمة، يتضح أن المغرب لم يحضر إلى موسكو بصفته طرفاً يبحث عن موقع أو ينتظر من الآخرين أن يرسموا له دوره، بل حضر حاملاً رؤية واضحة ومبادرات استراتيجية وتجربة يضعها على طاولة التعاون. إنها دبلوماسية تقوم على عرض الإمكانات، وتبادل المصالح، وبناء الشراكات على أساس الاحترام المتبادل، بعيداً عن منطق التبعية أو المصالح أحادية الاتجاه.
الساحل الإفريقي… من تحديات الجغرافيا إلى فرص التنمية
من أبرز الملفات التي تكتسب أهمية في هذه الرؤية ملف دول الساحل الإفريقي، ومن بينها مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي دول تواجه تحديات متعددة، من بينها غياب المنفذ البحري وما يترتب عليه من صعوبات في حركة التجارة والربط اللوجستي والانفتاح على الأسواق الدولية.
وهنا تتجلى أهمية المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين بلدان الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، باعتبارها تصوراً استراتيجياً يتجاوز حدود الجغرافيا، ويفتح آفاقاً جديدة أمام هذه الدول، من خلال ربطها بالبنيات التحتية والموانئ وشبكات النقل والتجارة.
إن المغرب، بهذا التوجه، لا يطرح نفسه بديلاً عن أي شريك دولي، ولا يسعى إلى احتكار فرص التعاون داخل القارة، بل يؤكد أن التنمية الإفريقية تحتاج إلى تكامل الجهود وتعدد الشركاء. فالقارة لا ينبغي أن تكون مجرد ساحة لتنافس القوى الدولية، وإنما شريكاً يمتلك قراره وإمكاناته وحقه في الاستفادة من علاقاته وفق مصالح شعوبه.
ثلاث مبادرات ملكية… ورؤية تتجاوز حدود الشراكة التقليدية
تستند الرؤية المغربية إلى مبادرات استراتيجية أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتشكل ملامح توجه المملكة نحو تعزيز التعاون الإفريقي.
أولى هذه المبادرات هي مبادرة الدول الإفريقية الأطلسية، التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول المطلة على المحيط الأطلسي، وتحويل هذا المجال إلى فضاء للتكامل والتنمية والاستقرار.
وثانيتها المبادرة الملكية لتمكين بلدان الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، التي تسعى إلى فك العزلة الجغرافية عن هذه الدول، وفتح آفاق أوسع أمام تجارتها واقتصاداتها.
أما المبادرة الثالثة فهي مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا–المغرب، الذي يحمل أبعاداً اقتصادية وطاقية وتنموية، ويعزز فرص الاندماج والتعاون المشترك في غرب إفريقيا.
هذه المبادرات الثلاث ليست مشروعات منفصلة عن بعضها، بل تعكس تصوراً متكاملاً يربط البنية التحتية بالتنمية، والطاقة بالاندماج الاقتصادي، والجغرافيا بفرص الاستقرار والازدهار.
روسيا وإفريقيا… من إعلان النوايا إلى تنفيذ الأولويات
من النقاط اللافتة في كلمة رئيسة الحكومة دعوتها إلى الانتقال بالشراكة الروسية الإفريقية من مرحلة التخطيط إلى مرحلة العمل، مع ضرورة أن تتوافق برامج التعاون مع الأولويات الحقيقية للقارة، وفي مقدمتها الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والتصنيع، ونقل التكنولوجيا.
وهنا تبرز أهمية الدور الذي يستطيع المغرب الاضطلاع به، بما راكمه من خبرة في مجالات البنية التحتية والموانئ والربط اللوجستي والتعاون الإفريقي، فضلاً عن موقعه الجغرافي الذي يجعله نقطة وصل بين إفريقيا وأوروبا والمحيط الأطلسي.
كما أن توسيع التعاون مع روسيا في مجالات الطاقة والعلوم والتكنولوجيا يفتح مجالاً لتبادل الخبرات واستكشاف فرص جديدة، شريطة أن تترجم هذه الرغبة إلى برامج عملية ومشروعات ذات قيمة مضافة، تعود بالنفع على الأطراف المعنية.
وقد حملت الكلمة مؤشرات مهمة على عمق العلاقات المغربية الروسية؛ إذ أشارت رئيسة الحكومة إلى أن المبادلات التجارية بين البلدين بلغت نحو 630 مليون دولار سنة 2025، مع ارتفاع الصادرات المغربية بنسبة 18 في المائة، كما تجاوز عدد الطلبة المغاربة الذين تابعوا دراستهم في روسيا 7 آلاف طالب خلال الموسم الجامعي 2024-2025. وهي أرقام تعكس امتداد العلاقة بين البلدين إلى مجالات الاقتصاد والتعليم، إلى جانب التعاون السياسي.
المرأة المغربية… حضور في صناعة القرار وتمثيل الوطن
ويحمل حضور السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها رئيسة للحكومة المغربية، دلالة مهمة تتصل بمكانة المرأة المغربية في مواقع المسؤولية وصناعة القرار. فتمثيل المملكة في محفل دولي بهذا المستوى يؤكد أن المرأة المغربية أصبحت حاضرة في الملفات الكبرى، وقادرة على تحمل مسؤوليات سياسية ودبلوماسية واقتصادية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحضور لا تتوقف عند رمزيته، بل تتجسد في طبيعة المهمة التي اضطلعت بها المنصوري، والمتمثلة في نقل رؤية المملكة والدفاع عن توجهاتها ومبادراتها أمام شركائها الدوليين. فالمعيار الأساسي للمسؤولية هو وضوح الرؤية والقدرة على خدمة المصالح الوطنية وتحقيق النتائج.
المغرب لا يكتفي بالحضور… بل يشارك في صياغة المستقبل
في تقديري، فإن الرسالة الأعمق التي حملتها كلمة المغرب في موسكو هي أن المملكة تنظر إلى إفريقيا باعتبارها فضاءً للشراكة وصناعة المستقبل، لا مجرد مجال للتنافس الدولي. فالمغرب يقدم مبادرات ذات أبعاد استراتيجية، ويضع خبرته وإمكاناته في خدمة تعاون يقوم على التكامل، ويؤكد أن القارة الإفريقية تستحق أن تكون شريكاً في صياغة القرارات التي تمس حاضرها ومستقبلها.
كما أن الرسالة لم تكن موجهة إلى روسيا وحدها، بل إلى مختلف الشركاء الدوليين: إفريقيا ليست قارة تنتظر من يقرر عنها، بل قارة تملك الموارد والطاقات والموقع الجغرافي والرأسمال البشري، وتحتاج إلى شراكات تحترم سيادتها وتدعم تنميتها.
ومن موسكو، يبرز المغرب مرة أخرى برؤية تتجاوز حدود الحضور البروتوكولي رؤية تؤكد أن مكانة الدول لا تُقاس بما تطلبه من الآخرين، بل بما تملكه من مبادرات، وما تستطيع تقديمه من حلول، وما تبنيه من جسور للتعاون.
الإعلامية والكاتبة نرجس قدا




