مقالات

حين يكون الفن مرآة المرأة وروحها

حين يكون الفن مرآة المرأة وروحها

زينب على درويش

منذ أن عرفت المرأة كيف تحكي حكايتها، كان الفن واحدًا من أجمل الطرق التي وجدت بها نفسها.

ربما لم تكن تملك دائمًا منبرًا تقول من خلاله ما تريد، لكنها كانت تملك قلبًا يعرف كيف يشعر، وعينًا تلتقط التفاصيل، ويدًا تستطيع أن ترسم، وصوتًا يستطيع أن يغني، وكلمةً تستطيع أن تكتب بها ما عجزت عن قوله بصوت مرتفع.

لهذا تبدو علاقة المرأة بالفن علاقة قديمة وحميمة؛ علاقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأن الفن في جوهره يشبه المرأة في شيء مهم: كلاهما قادر على تحويل ما يبدو عاديًا إلى شيء له معنى.

في الأدب، وجدت المرأة مساحة للكلام حين ضاقت بها المساحات. كتبت الشعر والرواية والقصة، وحولت تجاربها وأحلامها وخيباتها وأسئلتها إلى كلمات تصل إلى قلوب الآخرين. وربما كانت أجمل الكتابات النسائية هي تلك التي لم تحاول أن تثبت أنها مختلفة، بل اكتفت بأن تكون صادقة.

وفي الرسم، استطاعت المرأة أن تقول بالألوان ما لا تستطيع الكلمات حمله. لوحة واحدة قد تخبرنا عن امرأة أكثر مما تستطيع صفحات كاملة أن تفعل؛ عن فرحها، وحدتها، خوفها، أمومتها، أحلامها، وحتى الأشياء التي تخفيها خلف ابتسامتها.

أما الموسيقى والغناء، فلهما حكاية أخرى معها. صوت المرأة لم يكن مجرد صوت جميل؛ كان في كثير من الأحيان ذاكرةً تمشي بين الناس. أغنية قد تعيد إنسانًا إلى بيت قديم، أو إلى أم، أو إلى حب انتهى، أو إلى زمن ظن أنه نسيه.

وفي المسرح والسينما، أصبحت المرأة شخصيةً وصانعةً في الوقت نفسه. لم تعد فقط تلك التي تقف أمام الكاميرا، بل أصبحت كاتبة ومخرجة ومصورة وموسيقية وناقدة ومنتجة، تساهم في صناعة الصورة التي يراها العالم عنها وعن الحياة من حولها.

حتى الفنون اليدوية، التي قد يراها البعض بسيطة، تحمل علاقة خاصة بالمرأة. التطريز، الخياطة، صناعة الحلي، الحفر، الزخرفة وغيرها ليست مجرد أعمال يدوية؛ إنها ذاكرة تنتقل من يد إلى يد، وتحتفظ بتفاصيل البيوت والأمهات والجدات، وكأن المرأة تترك شيئًا من روحها في كل قطعة تصنعها.

والأجمل أن الفن لا يمنح المرأة مساحة للتعبير فقط، بل يمنحها أحيانًا فرصة لاكتشاف نفسها.

قد تبدأ امرأة بالرسم لأنها تريد أن تقتل وقتًا، فتكتشف أنها كانت تبحث عن نفسها. وقد تكتب نصًا بسيطًا لتفرغ مشاعرها، ثم تكتشف أن لديها صوتًا أدبيًا يستحق أن يُسمع. وقد تبدأ بالغناء أو التصوير أو المسرح بدافع الفضول، ثم يصبح الفن جزءًا من هويتها.

وهنا تكمن قيمة الفن الحقيقية؛ أنه لا يغيّر العالم دائمًا، لكنه يستطيع أن يغيّر الإنسان الذي يعيش في هذا العالم.
والمرأة التي تجد طريقها إلى الفن لا تصبح بالضرورة أكثر شهرة، لكنها قد تصبح أكثر قربًا من ذاتها. تتعلم أن مشاعرها ليست عبئًا، وأن أفكارها تستحق أن تُقال، وأن التجربة التي ظنتها عادية ربما تكون جديرة بأن تتحول إلى لوحة أو قصيدة أو رواية أو لحن.
لكن علينا أيضًا ألا نحصر علاقة المرأة بالفن في الحديث عن الجمال والرقة والإلهام فقط. فالمرأة فنانة لأنها إنسانة قبل أي شيء، تحمل أسئلة ومواقف ورؤى، وقد يكون فنها صادمًا أو جريئًا أو حزينًا أو ساخرًا أو شديد الواقعية. ومن حقها أن يكون لفنها صوتها الخاص، لا الصورة التي يريد الآخرون أن يضعوها فيها.
الفن لا ينبغي أن يطلب من المرأة أن تكون نسخة جميلة مما يتوقعه المجتمع، بل أن يمنحها المساحة لتكون هي.
ولهذا فإن دعم المرأة في الفن لا يعني فقط التصفيق لها عندما تنجح، بل يعني أن نأخذ موهبتها بجدية، وأن نقرأ كتابها، ونرى لوحتها، ونستمع إلى موسيقاها، ونحترم تجربتها، ونمنحها الفرصة لتتعلم وتتطور وتخطئ وتعيد المحاولة.

فالمرأة لا تحتاج دائمًا إلى من يقول لها: أنتِ موهوبة.

أحيانًا تحتاج إلى من يقول لها: أكملي… صوتك يستحق أن يصل. وفي النهاية، ربما لا تكون علاقة المرأة بالفن مجرد علاقة بين فنانة وعمل فني، بل علاقة بين إنسانة وجزء من روحها.

فالفن يستطيع أن يمنح المرأة شيئًا لا تمنحه الشهرة ولا المال ولا التصفيق: أن تسمع نفسها.

وحين تسمع المرأة نفسها، تصبح أكثر قدرة على فهمها، وعلى اختيار طريقها، وعلى ترك أثر يشبهها.

لذلك، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا قدم الفن للمرأة؟

بل لنسأل أيضًا: كم فنًا جميلًا كان يمكن أن يولد لو أُعطيت كل امرأة فرصة أن تعبّر؟

قد تكون بيننا امرأة تحمل في داخلها رواية لم تُكتب، ولوحة لم تُرسم، ولحنًا لم يُسمع، وفكرةً تنتظر فقط من يمنحها مساحة صغيرة لتخرج إلى النور.
فلنمنحها تلك المساحة.
فربما لا نكتشف فنانة جديدة فحسب، بل نساعد إنسانة على أن تكتشف نفسها.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى