عبدالحكيم عامر و إنصاف التاريخ

عبدالحكيم عامر و إنصاف التاريخ
أحمد سلامه التهامي
دائماً عند تناول سيرة الشخصيات العامه خصوصاً في التاريخ المعاصر نقع تحت تأثير الهوى الشخصي أولاً ، ثم ما أدت إليه أفعال تلك الشخصية ، متناسين الوضع العالمي حين ذاك و غير عابئين بالملابسات حول كل ما حدث ، و غالباً ما تسيطر لغة الأحكام المطلقة الغيرعادلة، وتضيع الحقائق و تتوه الوقائع وسط صخب الأحداث بإنتصاراتها و إنكساراتها.
ولعل المشير عبد الحكيم عامر يقع على رأس هذه الشخصيات؛ فهورفيق درب الرئيس جمال عبد الناصر، شريكه في المسئولية الذي حمل على كاهله أعباءً جسيمة في مرحلة دقيقة ومفصلية من عمر الوطن.
فبعيداً عن صخب الصراع السياسي الذي احتكر الأضواء لاحقاً، ظل عبد الحكيم عامر طاقة مخلصة ينبض قلبها بالانتماء الوطني الصادق. فقد وُلِد وتربى على حب هذا التراب، ولعب دوراً محورياً وشجاعاً ليلة الثالث والأربعين من يوليو 1952، درعاً منيعاً لتأمين نجاح الثورة و الوقوف ضد المؤامرات التي أحيكت ضد مصر و ثورتها و مشروعها الوطني التنموي.
فلم يكن عسكرياً حبيس الثكنات فحسب، بل كان “أخاً حقيقياً” للجنود والضباط الصغار؛ عُرف بقربه الشديد من الأفراد، وحرصه الدائم على تفقد الوحدات الميدانية والجلوس مع الجنود و الضباط و العمل على رفاهيتهم، لتنبع شعبيته الجارفة داخل المؤسسة العسكرية من محبة حقيقية، لا من مجرد رتبة أو منصب.
فلايمكن إغفال دورة في تحديث الجيش المصري و رفع كفائته و زيادة عدده و إدخال أسلحة حديثة لأول مرة مثل طائرات الميج (MiG-15) ودبابات (T-34) والغواصات بالتعاون مع الإتحاد السوفيتي حيث أصبح التسليح والتدريب في الجيش المصري على النمط السوفيتي ، كما قام عامر بتدشين التصنيع العسكري المصري عن طريق إنشاء المصانع الحربية و انتاج أسلحة خفيفه و ذخائر لعل أشهرها الرشاش “بورسعيد” و مسدس “حلوان”.
كما كان يتبع المشير عبدالحكيم عامر مباشرة “المكتب الفني” و هو المكتب المسئول عن برنامج الصوارخ و الطائرات المصرية ” الظافر “و” القاهر” بالتعاون مع الخبراء الألمان و هو المشروع الذي كان من الأسباب الرئيسيه لإستدراج مصر لحرب عام 1967 .
و للأسف يختزل الكثيرون سيرة المشير عبد الحكيم عامر في الإطار العسكري البحت، متجاهلين أنه كان شريكاً رئيسياً في إدارة شؤون الدولة بكافة قطاعاتها. فقد تقلد ملفات سياسية وتنفيذية ضخمة؛ إذ تولى منصب نائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء، وكان الحاكم الفعلي للإقليم الشمالي “سوريا” إبان فترة الوحدة (1958-1961)، متحملاً أعباء تثبيت أركان الدولة وتدبير شؤونها في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، وأجواء تآمرية داخلية وخارجية.
ولم يتوقف دوره عند السياسة العليا، بل امتد ليمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر؛ فقد أشرف على قطاع النقل العام والسكك الحديدية لحل أزماتها وتطويرها، وتولى رئاسة لجنة تصفية الإقطاع، واللجنة العليا للسد العالي، ورئاسة المجلس الأعلى للمؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي، فضلاً عن متابعته الحثيثة لمشروعات الإصلاح الزراعي ودعم الفلاحين في الريف المصري.
ولم يغفل الجانب المجتمعي والرياضي؛ فقد كان داعماً رئيسياً لقطاع الرياضة المصرية واتحاد الكرة، حيث رعى المنتخبات الوطنية، وتابع شؤون الرياضيين بنفسه، وحرص على حضور الفعاليات الكبرى لرفع معنويات الشباب ورفع اسم مصر عالياً في المحافل الدولية أثناء رئاسته للاتحاد المصري لكرة القدم.
وللإنصاف، لم يكن الرجل نبياً ولا ملاكاً مُنزّهاً عن الخطأ؛ فالبشر بطبيعتهم يخطئون ويصيبون، ينجحون ويفشلون، ينتصرون وينكسرون. و بالطبع كانت له أخطاء و سلبيات ،لكن لا يمكن أن نختزل رجل مثل عبدالحكيم عامر في مشهد النهاية الكارثي لحرب يونيو 1967 و إن كانت نهاية مأساوية أدت إلى هزيمة و انكسار المشروع القومي العربي برمته ،و مازلنا نعاني من آثارها حتى الآن ، لكن لا ينبغي أن نختزل سيرة عبد الحكيم عامر في مشهد النهاية وحده، بل علينا أن ننصف كرجل أحب مصر .




