ظاهرة دخول المشاهير والفنانين إلى عالم السياسة والبرلمان المغربي تثير الجدل

ظاهرة دخول المشاهير والفنانين إلى عالم السياسة والبرلمان المغربي تثير الجدل
بقلم الإعلامية: د. نرجس قدا
في السنوات الأخيرة أصبح المشهد السياسي المغربي يثير الكثير من الجدل والتساؤلات، خاصة بعد ملاحظة دخول عدد من الفنانين والمشاهير إلى عالم السياسة والبرلمان، حتى بدأ المواطن البسيط يتساءل بصدق: هل أصبحت الأحزاب السياسية تبحث عن الكفاءة الحقيقية أم عن الوجوه التي تملك شعبية قادرة على جلب الأصوات فقط؟
أنا شخصيًا لا أرى أن المشكلة في كون الشخص فنانًا أو ممثلًا، لأن الفن في حد ذاته رسالة، والفنان الحقيقي يعيش وسط المجتمع، يسمع الناس، يشعر بمعاناتهم، ويرى تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا يراها بعض السياسيين التقليديين. لذلك من الطبيعي أن نجد فنانين يمتلكون وعيًا وثقافة وحسًا وطنيًا يجعلهم قادرين على تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم داخل البرلمان.
وقد رأينا فعلًا أسماء فنية دخلت التجربة السياسية في المغرب، مثل الفنانة فاطمة خير، التي استطاعت أن تخلق حولها صورة المرأة الواعية والمثقفة، وكذلك الفنان ياسين أحجام الذي خاض بدوره التجربة السياسية. وهذا يؤكد أن الفنان ليس بالضرورة شخصًا بعيدًا عن الشأن العام أو غير قادر على فهم قضايا المجتمع.
لكن في المقابل، هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن السياسة ليست مجرد شهرة أو حب جماهيري أو ظهور متكرر على شاشة التلفزيون. السياسة مسؤولية كبيرة تتعلق بمصير وطن كامل، وتحتاج إلى تكوين وفهم للقوانين والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وإدارة الأزمات واتخاذ القرار. وهنا يبدأ خوف المواطنين، لأن بعض الفنانين دخلوا المجال الفني بالموهبة أو الصدفة أو الشعبية، وليس بالضرورة بالثقافة أو التكوين الفكري والسياسي.
ولهذا أصبح كثير من الناس يتساءلون:
هل الأحزاب السياسية فعلًا تؤمن بكفاءة هؤلاء الفنانين؟
أم أنها فقط تستغل شعبيتهم من أجل الفوز بالمقاعد والأصوات الانتخابية؟
للأسف، الواقع أحيانًا يجعل المواطن يشعر أن بعض الأحزاب تتعامل مع الفنان كما تتعامل الشركات مع الإعلانات التجارية، حيث يتم اختيار وجه معروف ومحبوب لتلميع الصورة وكسب ثقة الناس بسرعة، حتى وإن لم يكن ذلك الشخص يمتلك تجربة سياسية حقيقية. وهنا تتحول السياسة من مشروع لخدمة الوطن إلى لعبة انتخابية تعتمد على التأثير العاطفي والجماهيري أكثر من اعتمادها على الكفاءة والخبرة.
ومن حق المواطن أن يقلق حين يرى أن بعض الأشخاص الذين لم يكن لهم أي اهتمام سابق بالشأن السياسي أو القضايا الوطنية، أصبحوا فجأة يتحدثون باسم الشعب ويمثلون المواطنين داخل مؤسسات الدولة. لأن البرلمان ليس منصة للشهرة، بل مؤسسة لصناعة القرار والتشريع والدفاع عن مصالح الناس.
لكن رغم كل هذا، لا يمكن أيضًا أن نظلم الجميع أو نعمم الأحكام. فكما يوجد فنانون دخلوا السياسة فقط بسبب الشهرة، يوجد أيضًا سياسيون قضوا سنوات طويلة في المناصب دون أن يقدموا شيئًا حقيقيًا للمواطن. وفي المقابل قد نجد فنانًا مثقفًا وصاحب ضمير ووعي وطني يفوق بعض السياسيين التقليديين فهمًا وإحساسًا بالناس.
لهذا أرى أن المشكلة الحقيقية ليست في المهنة نفسها، بل في الإنسان الذي يشغل المنصب. فالوطن لا يحتاج إلى سياسي يتقن الكلام فقط، ولا إلى فنان يملك شعبية فقط، بل يحتاج إلى أشخاص يملكون ضميرًا حقيقيًا، وثقافة، ووعيًا، وقدرة على خدمة المواطن بصدق بعيدًا عن المصالح الشخصية والاستعراض الإعلامي.
المغاربة اليوم أصبحوا أكثر وعيًا من السابق، ولم يعودوا يقتنعون بسهولة بالشعارات أو الوجوه المعروفة فقط، بل أصبحوا يبحثون عمّن يشعر بهم فعلًا ويدافع عن قضاياهم بصدق داخل البرلمان وخارجه. لذلك فإن نجاح أي فنان في السياسة لن يكون بسبب شهرته وحدها، بل بما سيقدمه على أرض الواقع من عمل ومواقف وإنجازات حقيقية.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع:
هل دخول الفنانين إلى السياسة خطوة إيجابية يمكن أن تضيف صوتًا جديدًا للمجتمع؟
أم أن الأمر أصبح مجرد وسيلة انتخابية تعتمد على الشعبية أكثر من الكفاءة؟
الجواب الحقيقي سيبقى دائمًا عند المواطن، لأنه وحده القادر على التمييز بين من يريد خدمة الوطن… ومن يريد فقط الظهور تحت أضواء السياسة بعد أضواء الفن.




