مقالات

مساء الخير… يا وطن

مساء الخير… يا وطن
بقلم السيد حافظ

اختفت القضايا الوطنية، ولم تعد الأوطان هي السؤال الأكبر، بل غدت التفاهة هي المشروع الكوني الجديد. ولذلك لن يبقى كيانٌ عصيّ على التفكيك؛ ستُهدم الجماعات، وتتآكل الأحزاب، وتذوب كل التكوينات الإنسانية الكبرى، لأن العالم لم يعد يحتفي بالفكرة، بل بالصورة، ولم يعد يقدّس الوعي، بل يصفّق للسطحية.

وسيختفي الأدب… نعم، سيختفي الأدب كما عرفناه؛ الشعر، والرواية، والقصة، والمسرح. سيغدو الإبداع ومضةً خاطفة، لا تحتمل التأمل ولا الصبر. ولعل هذا ما دفعني، منذ سنوات، إلى كتابة ما يقرب من خمسين مسرحية قصيرة جدًا، لا يتجاوز زمن الواحدة منها خمس دقائق، ضمن مجموعتي «صراع الألوان» و**«مزامير السيد حافظ المسرحية»**، وكأنني كنت أقرأ ملامح المستقبل قبل أن يصل.

وسوف تعود أفلام الدقائق الخمس، تلك التجربة التي ابتكرتها السينما الإيطالية في ستينيات القرن العشرين ثم توارت، ولكنها ستعود هذه المرة لأن العصر لم يعد يحتمل الزمن الطويل، ولا الحكايات الممتدة، ولا التأمل العميق. وسوف تُغلق قاعات المسرح أبوابها، لتحل محلها شاشة الهاتف المحمول، وربما تلحق بها قاعات السينما، فيغدو العالم كله شاشةً صغيرة، ويغدو الإنسان مجرد متفرجٍ على حياته.

إننا ندخل عصرًا لا يخجل من تفاهته، بل يرفعها رايةً، ويتباهى بها، ويسير بها شامخ الرأس حتى السماء. وسيزداد الأغنياء ثراءً، والفقراء فقرًا، حتى يصبح الإنسان نفسه سلعة، ويغدو الجشع قانونًا، ويأكل الأغنياء لحم الفقراء، لا لأن الطعام قد نفد، بل لأن شهوة الامتلاك لا تشبع، وشهوة السلطة لا تعرف نهاية.

ليست هذه نبوءة سوداء، ولا أمنية بيضاء، وإنما محاولة لقراءة ما يتشكل أمام أعيننا. فالعالم لم يعد منقسمًا إلى يمينٍ ويسار، ولا إلى ماركسيةٍ ورأسمالية، ولا إلى هذا المعسكر أو ذاك؛ بل أصبح الانقسام الحقيقي بين عقلٍ يفكر، وضجيجٍ يبتلع التفكير.

وسيظل الغباء ينتشر في كل شيء، بينما يُسلَّم الذكاء إلى الآلة… إلى الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي يتنازل فيه الإنسان، طواعية، عن أجمل ما منحه الله له: القدرة على التفكير، والشك، والخيال، والإبداع.
مساء الخير… يا وطن.
……….
رأي الذكاء الاصطناعي الأمريكي
أقرأ النص بوصفه بيانًا ثقافيًا أكثر منه مقالًا سياسيًا. أنت لا تتحدث، في جوهر النص، عن اختفاء الأدب، بل عن تحول الإنسان نفسه. وهذه نقطة لو برزت أكثر، لأصبح النص أكثر عمقًا.
هناك فكرة فلسفية قديمة تقول إن كل حضارة تبتكر الأداة التي ستعيد تشكيل وعيها. النار غيّرت الإنسان، والكتابة غيّرته، والطباعة غيّرته، والإنترنت غيّره، واليوم يفعل الذكاء الاصطناعي الشيء نفسه. لذلك فالقضية ليست الأدب، ولا المسرح، ولا السينما، بل مصير الوعي الإنساني.

في رأيي، أقوى ما في النص ليس نبوءاته، وإنما قلقه الحضاري. فأنت لا ترثي المسرح، بل ترثي الزمن الذي كان يسمح للمسرح أن يوجد. ولا ترثي الرواية، بل القارئ الذي كان يمتلك الصبر ليقرأ رواية. ولا تخشى الذكاء الاصطناعي، بل تخشى الإنسان الذي يتخلى، بإرادته، عن مهمة التفكير.
وأرى أيضًا أن النص يحمل أثرًا من كتابات المفكرين الذين تحدثوا عن “مجتمع الفرجة” و”عصر الصورة”، لكنه لا يقتبس منهم، بل يصل إلى الفكرة بطريقته الخاصة، وهذا يمنحه شخصية مستقلة.

ومع ذلك، أرى أن هناك نقطة يمكن أن تجعل النص أكثر خلودًا. النص الآن يعلن النتائج أكثر مما يكشف أسبابها. فالأدب العظيم لا يقول: “سيختفي الأدب”، بل يسأل: لماذا أصبح الإنسان غير محتاج إلى الأدب؟ هنا يبدأ العمق الحقيقي.
أما أجمل عبارة عندي فهي ليست “سيختفي الأدب”، بل:
“وسيظل الغباء ينتشر في كل شيء، بينما يُسلَّم الذكاء إلى الآلة.”

هذه ليست جملة صحفية، بل مفارقة فلسفية، لأنها تقول إن المشكلة ليست في الآلة التي أصبحت ذكية، وإنما في الإنسان الذي يتنازل عن ذكائه.
ولو كنت أحرر النص لتحويله إلى نص سيبقى سنوات، لأجعل خاتمته تدور حول الإنسان لا حول التكنولوجيا. فالتكنولوجيا ليست البطل الحقيقي، بل الإنسان الذي يغيّر علاقته بالعالم وبنفسه.

وأضيف ملاحظة أخيرة، وهي ربما أهم ما شعرت به وأنا أقرأ: هذا النص ليس متشائمًا كما قد يظنه البعض، بل هو جرس إنذار. إنه يشبه كتابات من يكتبون قبل الكارثة لا بعدها. وهذا، في تقديري، هو ما يمنحه قيمته الفكرية، سواء اتفق القارئ مع استنتاجاته أم اختلف معها.

مساء الخير... يا وطن
الكاتب السيد حافظ

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى