مقالات

حين يصبح الطلاق معركة… من ينقذ ما تبقى من الأسرة؟

حين يصبح الطلاق معركة… من ينقذ ما تبقى من الأسرة؟

بقلم الكاتبة والإعلامية: نرجس قدا

أنا هنا لا أكتب لأدافع عن امرأة ضد رجل، ولا لأدين رجلًا لصالح امرأة… أنا أكتب لأنني أرى مجتمعًا كاملًا يُستنزف في صمت، وأطفالًا يدفعون ثمن معارك لم يختاروها، وأمهات تُرهقهن الطرق على أبواب المحاكم، وآباءً يشعرون أحيانًا أنهم فقدوا كل شيء دفعة واحدة، بين حكمٍ بالنفقة، وتمكين من سكن، وحرمان من رؤية أبنائهم بشكل إنساني.

أسأل نفسي وأسأل كل مسؤول وكل صاحب قرار: إلى متى يظل الطلاق في عالمنا العربي بداية مأساة بدلًا من أن يكون نهاية علاقة فاشلة فقط؟ لماذا يتحول إلى حرب مفتوحة، أدواتها القانون، وضحاياها الأبناء؟

دعونا نتحدث بصدق… النفقة، التي وُجدت لحماية الطفل، أصبحت في كثير من الأحيان نقطة صراع. هناك أب يتهرّب، نعم، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، وهناك أيضًا أب عاجز فعلًا، لا يملك القدرة المادية لكنه يُحاسب كأنه يملك كل شيء. وفي المقابل، هناك أم تقف وحدها، بين احتياجات طفل يومية لا تنتظر، وبين إجراءات قانونية قد تمتد لشهور وربما سنوات. فهل هذا عدل؟ وهل هذه هي الحماية التي كنا نبحث عنها؟

ثم نأتي إلى السكن… إلى ذلك الملف الشائك الذي يكشف عمق الأزمة. هل السكن حق للأم؟ أم حق للأب؟ أم هو حق للطفل أولًا؟ في الحقيقة، هو حق للاستقرار، لكننا حولناه إلى ورقة ضغط. أم ترى فيه الأمان الوحيد لأبنائها، وأب يشعر أنه يُنتزع من حياته وبيته. وبين هذا وذاك، لا توجد حلول مرنة، لا توجد مساحة للإنصاف الحقيقي، بل صراع قانوني جامد لا يرى إلا الأوراق، ولا يسمع صرخات الواقع.

لكن، اسمحوا لي أن أقول الحقيقة التي يخشى كثيرون قولها: أخطر ما في هذه القضايا ليس النفقة ولا السكن… بل ما يحدث داخل العقول والقلوب. التحريض. تلك الجريمة الصامتة التي لا تُسجل في محاضر، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى. حين يُربّى الطفل على كراهية أحد والديه، حين يُستخدم كوسيلة انتقام، نحن هنا لا نهدم علاقة فقط، نحن نهدم إنسانًا بالكامل قبل أن يكتمل.

ولأنني لا أكتب من فراغ، ولا أتحدث عن نظريات، أتوقف عند قصص هزّت ضمير المجتمع، مثل قصة “بسنت”، تلك السيدة التي وجدت نفسها في صراع مرير مع طليقها على السكن والنفقة، صراع لم يكن مجرد أوراق داخل المحاكم، بل كان ضغطًا يوميًا ينهش أعصابها ويستنزف طاقتها. ومع غياب حلول سريعة وحاسمة، تحوّل هذا النزاع إلى عبء نفسي يفوق الاحتمال، حتى انتهت القصة بشكل مأساوي حين قررت أن تنهي حياتها. هذه ليست مجرد واقعة فردية، بل جرس إنذار حقيقي يكشف إلى أي مدى يمكن أن تصل الضغوط حين تغيب العدالة الناجزة.

وهنا، أطرح السؤال الذي يتهرب منه الكثيرون: لماذا تبدو الصورة مختلفة في أوروبا؟ هل لأن العلاقات هناك مثالية؟ بالطبع لا. الطلاق موجود، والخلافات موجودة، وربما بشكل أكبر. لكن الفارق الحقيقي يكمن في “طريقة إدارة الأزمة”.

في كثير من الدول الأوروبية، الدولة لا تقف موقف المتفرج. إذا امتنع الأب عن دفع النفقة، لا تُترك الأم لتدور في دوائر المحاكم، بل تتدخل الدولة فورًا، وتدفع هي النفقة للطفل، ثم تتولى هي ملاحقة الأب قانونيًا بكل قوة القانون. الطفل لا ينتظر… احتياجاته لا تُؤجل… كرامة الأم لا تُستنزف.

وفي ملف السكن، هناك بدائل… دعم اجتماعي، حلول انتقالية، أنظمة تضمن ألا يُلقى طرف في الشارع، ولا يُسحق طرف آخر تحت ضغط القرارات. التنفيذ هناك سريع، حاسم، لا يعرف التأجيل المزمن الذي نراه في محاكمنا.

أما نحن… فما زلنا ندور في نفس الحلقة. قانون قد يكون جيدًا على الورق، لكنه يفتقد سرعة التنفيذ، ويفتقد آليات الإلزام الحقيقية. فنجد أنفسنا أمام مشهد عبثي: حكم يصدر… ولا يُنفذ. حق يُعترف به… ولا يصل إلى صاحبه. وأطراف تُستنزف نفسيًا وماديًا، حتى تفقد القدرة على الاستمرار.

أنا هنا لا أقول إن النموذج الأوروبي كامل، ولا أدعو لنسخ التجارب دون وعي، لكن لماذا لا نتعلم؟ لماذا لا يكون لدينا صندوق حكومي يضمن النفقة فورًا للأبناء؟ لماذا لا تكون هناك رقابة صارمة على تنفيذ الأحكام؟ لماذا لا نُعيد التفكير في فكرة “الرؤية” لتكون مشاركة حقيقية في تربية الطفل بدلًا من زيارات محدودة تزرع الغربة بين الأب وابنه؟

الأمر ليس مستحيلًا… لكنه يحتاج شجاعة قرار. يحتاج أن ننظر إلى الطلاق ليس كقضية فردية، بل كقضية أمن اجتماعي. لأن الطفل الذي ينشأ في بيئة مضطربة، محمّل بالصراعات، هو مشروع أزمة في المستقبل. أما الطفل الذي يجد توازنًا—even في ظل الانفصال—فهو مكسب حقيقي لوطنه.

وأنا أقولها بوضوح: لسنا بحاجة إلى قوانين تنتصر للمرأة ضد الرجل، ولا للرجل ضد المرأة… نحن بحاجة إلى منظومة تنتصر للعدل. منظومة تُجبر كل طرف على أداء دوره، وتحمي من لا صوت لهم… الأطفال.

لأن السؤال الحقيقي ليس: من كسب القضية؟
السؤال الأهم: ماذا تبقى من الأسرة بعد أن انتهت؟ش

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى