مقالات

هي وهو… حين تُجبر الظروف الفتاة على أن تحمل أكتاف الرجال

هي وهو… حين تُجبر الظروف الفتاة على أن تحمل أكتاف الرجال

بقلم: الإعلامية نرجس قدا

خلق الله المرأة لتكون مصدر حنان ورحمة، وجعل فيها من الرقة ما يزين الحياة، لكن الحياة ليست عادلة دائمًا. فهناك من فقدت أباها وهي طفلة، وهناك من ترملت في عمر الشباب، وهناك من استيقظت على حقيقة أنها أصبحت السند الوحيد لعائلة كاملة. عندها لا يبقى أمامها سوى أن تواجه العالم بكل ما فيه من قسوة.

ومن خلال ملاحظتي وحواراتي مع العديد من النساء، أدركت أن بعضهن لم تتغير قلوبهن، بل تغيرت تفاصيل أيامهن. أصبحت خطواتهن أسرع، ونظراتهن أكثر حذرًا، وأيديهن أكثر خشونة من كثرة العمل، واختارت كثيرات منهن الملابس العملية الصلبة، لا لأنهن يرفضن أنوثتهن، بل لأن الحياة فرضت عليهن أن يقدمن الواجب على الرغبة، وأن يواجهن عالمًا لا يرحم الضعفاء.

إن المرأة التي تعمل في بيئات يغلب عليها الرجال تضطر إلى بناء شخصية قوية، وإلى إخفاء ضعفها حتى لا يستغله أحد. فيظن البعض أنها فقدت أنوثتها، بينما الحقيقة أنها ترتدي درعًا من الصلابة لتحمي كرامتها، وتصون لقمة عيشها، وتحافظ على من ينتظرون عودتها كل مساء.

هناك فتاة أيقظتها اليتم، وأخرى صنعت منها الأرملة أمًّا وأبًا في آن واحد، وثالثة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة الحياة، فتعلمت أن تقاوم، وأن تفاوض، وأن تعمل، وأن تعود في آخر النهار وهي تحمل على كتفيها تعب العمر كله، لكنها لا تنكسر.

في “هي وهو” لا نبحث عن الفروق بين الرجل والمرأة، بل نبحث عن الإنسان عندما تدفعه الظروف إلى تجاوز حدوده. فليست القوة حكرًا على الرجال، وليست الرقة ضعفًا في النساء. وقد تكون أعظم البطولات امرأة خرجت تبحث عن رزقها، فعادت وهي تحمل بيتًا كاملًا فوق كتفيها.

هذه النساء لا يحتجن إلى الشفقة، بل إلى الاحترام. فكل ملامح الصلابة التي نراها ليست إلا ندوبًا صنعتها الأيام، وكل كلمة حازمة تخفي وراءها قلبًا أنهكته المسؤولية، لكنه ما زال ينبض بالحب والعطاء.

وأقول لكل امرأة أجبرتها الحياة على أن تسير وحدها: لم تفقدي أنوثتك، بل اكتسبتِ شجاعة لا يملكها إلا من واجه العاصفة وبقي واقفًا. وللمجتمع أقول: لا تحكموا على المظهر، ولا على الملابس الخشنة، ولا على نبرة الصوت القوية، فربما كانت تلك المرأة تخوض معركة لا يعرف تفاصيلها أحد.

وكأن الحكاية تختصر نفسها في هذه الكلمات:

لسنا نساءً خانت الأنوثة ملامحنا،
بل أيّامٌ ثقيلةٌ علّمتنا كيف نقف وحدنا.

حملنا عن الغائبين مسؤوليات الحياة،
فصار في أيدينا خشونة الكفاح،
وفي قلوبنا رقةٌ لا يراها إلا الصادقون.

إن رأيتم امرأةً تمشي بثبات الرجال،
فلا تسألوا أين اختبأت أنوثتها،
بل اسألوا كم عاصفةً عبرت،
وكم بابًا مغلقًا فتحته بكرامتها،
وكم حلمًا أنقذته وهي تبتسم بصمت.

فالمرأة التي صنعتها المحن،
لا تُشبه أحدًا…
لأنها كتبت اسمها
بحبر الصبر
وبنور الشجاعة،
وبقلبٍ ما زال يؤمن أن الرحمة
أقوى من كل قسوة.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى