صناعة التفاهة… حين يُدار الوعي من الهامش

صناعة التفاهة… حين يُدار الوعي من الهامش
بقلم: الإعلامية نرجس قدا
أكتب هذا المقال لا بدافع الصدمة، ولا من موقع الوصاية، بل من قلق مهني وشخصي في آنٍ واحد. قلق نابع من ملاحظة متكررة: التفاهة لم تعد استثناءً في المشهد الإعلامي، بل أصبحت قاعدة تُدار بذكاء، وتُقدَّم بهدوء، وتُستهلك بكثافة لافتة.
نحن لا نعيش فقط زمن المحتوى السريع، بل زمن المحتوى الفارغ الذي يُقدَّم باعتباره ترفيهًا، ويُسوَّق بوصفه نجاحًا، ويُكافأ بالشهرة والتأثير. هنا تحديدًا تبدأ المشكلة، لا لأن الترفيه خطأ، بل لأن التفاهة حين تتحول إلى صناعة، فإنها لا تكتفي بالضحك، بل تعيد تشكيل الذوق والوعي دون أن نشعر.
من موقع عملي في الإعلام، أرى كيف تُدار هذه الصناعة. لا شيء عشوائيًا كما يبدو. العناوين محسوبة، اللقطات مختارة، والجدل مقصود. الهدف واضح: جذب الانتباه بأي وسيلة، حتى لو كان الثمن هو تسطيح الفكرة، أو إفراغ الكلمة من معناها. وهكذا يصبح الصخب بديلاً عن الحوار، والانتشار بديلاً عن القيمة.
الأخطر في صناعة التفاهة أنها لا تأتي في صورة تهديد مباشر، بل في هيئة اعتياد. نعتاد على السطحية، ثم نبررها، ثم ندافع عنها. ومع الوقت، ينخفض سقف التوقعات: ما كان مرفوضًا يصبح مقبولًا، وما كان مقبولًا يصبح مطلوبًا، وما هو مطلوب لا يُناقَش.
لا أحمّل المنصات الرقمية وحدها المسؤولية، فهي تعمل بمنطق الأرقام لا القيم. لكن المسؤولية تتوزع بين إعلام يلهث أحيانًا خلف الترند، وصنّاع محتوى يخلطون بين الجرأة والابتذال، وجمهور يُكافئ ما يُسلّيه دون أن يسأل: ماذا يضيف لي هذا؟
كإعلامية، أؤمن أن الكلمة ليست ترفًا، وأن التأثير ليس رقمًا فقط. هناك فرق بين أن نكون حاضرين، وأن نكون مؤثرين. التفاهة قد تصنع حضورًا سريعًا، لكنها لا تصنع وعيًا، ولا تبني ذاكرة، ولا تترك أثرًا يستحق البقاء.
الحديث عن صناعة التفاهة لا يعني الدعوة إلى إعلام جاد ومُمل، ولا إلى خطاب ثقيل منفصل عن الناس. على العكس، هو دعوة إلى التوازن: محتوى خفيف دون أن يكون فارغًا، جريء دون أن يكون مبتذلًا، وقريب من الناس دون أن يستخف بعقولهم.
التفاهة لا تنتصر لأنها قوية، بل لأنها لا تُواجَه بما يكفي. وبين ما ننتجه وما نستهلكه، يبقى السؤال الذي أطرحه على نفسي قبل غيري: أي دور نختار أن نلعبه في هذا المشهد؟




