مقالات

زنا المحارم: حين يتحوّل البيت إلى ساحة جريمة صامتة

زنا المحارم: حين يتحوّل البيت إلى ساحة جريمة صامتة

تحقيق ميداني – بقلم الاعلامية : نرجس قدا

لم يُكتب هذا التحقيق من خلف المكاتب، بل وُلد من جلساتٍ ثقيلة الصمت، ومن عيونٍ كانت تبوح بما تعجز عنه الكلمات.

جلستُ مع فتياتٍ عايشن واحدةً من أبشع الجرائم الإنسانية: الاعتداء داخل نطاق الأسرة.
بعضهن كنّ في عمر الطفولة حين بدأ الألم، وأخريات كبرن وهنّ يحملن جرحًا لم يندمل.
لم يكن الحديث سهلًا، ولم يكن البوح خيارًا مريحًا، لكن ما سمعته كان كافيًا ليكشف أن ما يُظن حالاتٍ فردية… هو في الحقيقة مأساة تتكرر في صمت.

“كنت أظن أن ما يحدث أمرٌ طبيعي… لأنه والدي”
بهذه الكلمات افتتحت إحدى الضحايا شهادتها.
طفلة لم تُدرك حقيقة ما تتعرض له، لكنها شعرت بالخوف.
ومع مرور الوقت، تحوّل الخوف إلى صمت، ثم إلى شعورٍ عميق بالذنب… رغم أنها لم تقترف ذنبًا.

وقالت أخرى:
“لم يُصدقني أحد… قيل لي إنني أُبالغ أو أسيء الفهم”
فآثرت الصمت… لا لقوةٍ فيها، بل لأنها تُركت وحيدة في مواجهة الألم.

من خلال هذه الشهادات، يتكرر المشهد ذاته:
الجاني ليس غريبًا، بل من يُفترض به الحماية.
والجريمة لا تقع مرةً واحدة، بل تستمر.
والضحية لا تجد من يحميها، بل من يُشكك فيها.

الآثار النفسية: جروح لا تُرى ولا تلتئم
كل فتاة تحدثت معي، حملت داخلها نفس العلامات: خوف دائم، فقدان للأمان، اضطراب في العلاقات، وانعدام الثقة بالآخرين.
إحساس قاسٍ بالدونية، وكأن الضحية تحمل وزر الجريمة بدلًا من مرتكبها.

إحدى الفتيات عبّرت عن ذلك بقولها:
“لا أكرهه… بل أكره نفسي”
وهي عبارة تختصر حجم التشوّه النفسي الذي تتركه هذه الجريمة، حين تنقلب الموازين، وتتحول الضحية إلى متهمة في نظر ذاتها.

المجتمع… حين يُفاقم الجرح لم يتوقف الألم عند حدود الاعتداء، بل امتد إلى ردود الفعل المجتمعية:
“التزمي الصمت حفاظًا على سمعة العائلة”
“لن يُصدقك أحد”
“لا بد أنكِ مخطئة”
عبارات تكررت على ألسنة كثيرين، وكأن الخوف من الفضيحة يفوق الخوف من الجريمة ذاتها.
فيُدفن الصوت، وتُطمس الحقيقة، وتبقى الضحية حبيسة الألم.

لماذا تصمت الضحية؟
لم يكن الصمت خيارًا حرًا، بل نتيجة عوامل متشابكة:
الخوف من التهديد، غياب الأمان، الاعتماد المادي أو النفسي على الجاني، وانعدام الثقة في البيئة المحيطة.
إنه صمتٌ مفروض، لا صمتٌ مختار.
الحقيقة التي يجب أن تُقال، زنا المحارم ليس “قضية عائلية” يمكن احتواؤها بالصمت، بل جريمة خطيرة تستدعي المواجهة والمحاسبة.

والضحية ليست شريكة في الجريمة، بل إنسانة سُلبت منها براءتها وأمانها.

خلاصة التحقيق

ما خرجتُ به من هذه اللقاءات يتجاوز الألم الفردي إلى خللٍ مجتمعي عميق:
أن أخطر ما في هذه الجريمة ليس وقوعها فحسب، بل استمرارها في الظل.

كل من تحدثت إليهن كنّ يتفقن على مطلبٍ واحد:
أن يُصدَّقن.

إذا كان الصمت خيار المجتمع، فإن الكتابة تصبح واجبًا.

لأن الحقيقة، مهما كانت موجعة، تبقى أقل قسوة من إنكارها.

رسالة إلى المجتمع… ومسؤولية لا تحتمل التأجيل

إن مواجهة هذه الجريمة لا تبدأ من العقاب فقط، بل من الوعي.
وعيٌ يُبنى في البيوت، ويُرسَّخ في المدارس، ويُدعم عبر الإعلام.

التوعية داخل المؤسسات التعليمية لم تعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة
علينا أن نُعلّم أبناءنا — ذكورًا وإناثًا — حدود الجسد، ومعنى الخصوصية، وحقّ الرفض، وكيفية طلب المساعدة دون خوف أو خجل.
كما يجب تدريب الكوادر التربوية على اكتشاف العلامات المبكرة للاعتداء، والتعامل معها بحساسية ومسؤولية.

المجتمع الذي يختار الصمت، يترك أبناءه فريسة للخطر.
أما المجتمع الواعي، فهو الذي يفتح أبواب الحديث، ويُحصّن أفراده بالمعرفة، ويؤمن أن الحماية تبدأ بالكلمة الصادقة.

التوعية ليست ترفًا… بل خط الدفاع الأول

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى