منوعات

رئيس مؤسسة اليوم للإعلام دكتورة سهير الغنام دولة الإمارات العربية المتحدة في حوار مع الإعلامي الأستاذ عابر الجارحي

رئيس مؤسسة اليوم للإعلام دكتورة سهير الغنام دولة الإمارات العربية المتحدة في حوار مع الإعلامي الأستاذ عابر الجارحي
حيث قال عن أصحاب الهمم

أن دمج أصحاب الهمم في المدارس.. حق إنساني وركيزة لبناء مجتمع متكامل

في نسيج كل مجتمع، تتشكل ملامح التقدم والتحضر من مدى قدرته على احتضان جميع أبنائه، دون استثناء أو تمييز. ومن بين أبرز صور هذا الاحتضان، تأتي قضية دمج أصحاب الهمم في المدارس العادية، تلك القضية التي لم تعد مجرد فكرة تربوية، أو إجراءً إداريًا يُطبق بشكل روتيني، بل أصبحت حقًا إنسانيًا أصيلًا كفلته جميع القوانين والمواثيق الدولية، وركيزة أساسية نبني عليها مجتمعًا قويًا ومتكاملًا، يسع الجميع ويستفيد من طاقات وقدرات كل فرد فيه.

إن مفهوم الدمج التعليمي يعني ببساطة أن يتلقى الطالب من أصحاب الهمم تعليمه داخل الفصول الدراسية العادية، جنبًا إلى جنب مع أقرانه من الطلاب الآخرين، مع توفير كافة الشروط والاحتياجات والوسائل التعليمية المكيفة التي تتناسب مع ظروفه وقدراته، إلى جانب وجود معلمين مؤهلين ومدربين على أساليب التربية الخاصة، ومختصين نفسيين واجتماعيين يدعمون مسيرته. فهو ليس مجرد وضع الطالب في المكان نفسه، بل هو تهيئة البيئة المناسبة ليتمكن من التعلم والمشاركة والتفاعل، وتطوير مهاراته الأكاديمية والاجتماعية والشخصية بأقصى ما تسمح به قدراته.

ولدمج أصحاب الهمم في المدارس ثمار طيبة وفوائد عظيمة تعود على جميع أطراف العملية التعليمية والمجتمع ككل. فبالنسبة لأصحاب الهمم، يمنحهم الدمج الشعور بالانتماء والكرامة، ويخلصهم من الشعور بالعزلة أو الاختلاف الذي قد ينتج عن العزل في فصول أو مدارس منفصلة، ويتيح لهم فرصة اكتساب المهارات الحياتية والاجتماعية من خلال احتكاكهم بأقرانهم، مما يعزز ثقتهم بأنفسهم، ويدفعهم لبذل المزيد من الجهد والنجاح، ويثبتون لأنفسهم وللمجتمع أنهم قادرون على العطاء والإنجاز إذا ما أتيحت لهم الفرصة المناسبة.

أما بالنسبة لبقية الطلاب في المدرسة، فإن وجود زملائهم من أصحاب الهمم بينهم يعتبر درسًا تربويًا وعمليًا لا يُقدّر بثمن، فمن خلاله يتعلمون قيم التسامح والاحترام والتعاطف، ويدركون أن الاختلاف في القدرات أو الإمكانيات لا يعني الاختلاف في القيمة أو الحقوق، بل هو تنوع يثري الحياة ويجعلها أجمل وأكثر غنى. ينشأ هؤلاء الأطفال على رفض التمييز أو التنمر، وعلى تقديم المساعدة والدعم للآخرين، مما يبني جيلًا واعيًا ومتحضرًا، يحترم الإنسان بغض النظر عن ظروفه، ويؤمن بأن لكل فرد دورًا ومكانًا في هذا المجتمع. كما ينعكس الدمج إيجابيًا على المعلمين والإدارة المدرسية، حيث يدفعهم لتطوير أساليبهم التعليمية، والبحث عن طرق مبتكرة ومرنة تناسب مختلف القدرات، مما يجعل العملية التعليمية بشكل أكثر شمولية وفعالية لجميع الطلاب.

ومع ما يحمله الدمج من قيم ومزايا، إلا أن نجاحه وتحقيق أهدافه لا يأتي بسهولة أو بشكل تلقائي، بل هو مسؤولية مشتركة تتطلب تكاتف جهود الجميع. فالحكومات والوزارات المعنية عليها واجب سن القوانين التي تضمن حق أصحاب الهمم في التعليم، وتوفير المباني المدرسية المجهزة بجميع التسهيلات اللازمة، مثل الممرات المهيأة، والأدوات التعليمية المساعدة، والوسائل التكنولوجية التي تخدم مختلف أنواع الاحتياجات. كما يقع على عاتق المدارس مسؤولية تدريب الكوادر التعليمية، وتوفير المختصين، وتصميم خطط دراسية مرنة تتكيف مع قدرات كل طالب. ولا ننسى دور الأسرة، التي تعد الشريك الأساسي، من خلال دعم أبنائها، وتشجيعهم، والتواصل الدائم مع المدرسة لمتابعة تقدمهم، وكذلك دور المجتمع في تغيير المفاهيم الخاطئة والصور النمطية السلبية عن أصحاب الهمم، ونشر الوعي بحقوقهم وقدراتهم.

وفي الختام، يمكن القول إن دمج أصحاب الهمم في المدارس هو استثمار حقيقي ومستقبلي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهو استثمار في الإنسان، وبناء لجيل متكامل، وإعداد لمجتمع قادر على النهوض والتقدم بكل طاقاته. إن دمجهم ليس تفضلًا نمنحه لهم، بل هو حق كفلته الإنسانية، وواجب علينا نحن جميعًا أن نعمل على تحقيقه ونجاحه. عندما نفتح أبواب مدارسنا للجميع، ونوفر الفرص المتساوية للجميع، فإننا نبني بالفعل مجتمعًا بلا حواجز، مجتمعًا يُقاس تقدمه بمدى رعايته لأبنائه، ومدى قدرته على تحويل كل طاقة كامنة إلى إنجاز يُسهم في رفعة الوطن وازدهاره.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى