دبلوماسية الشرف المغربي: حين اختار المغرب دعم الجزائر قبل الحسابات السياسية
دبلوماسية الشرف المغربي: حين اختار المغرب دعم الجزائر قبل الحسابات السياسية
بقلم: نرجس قدا
إعلامية وباحثة في الشأن المغاربي
خاص بجريدة اخبار الشعوب
في زمن كانت فيه المنطقة المغاربية تعيش مخاض الاستقلال والتحرر، لم يكن المغرب دولة تبحث فقط عن تثبيت سيادتها، بل اختار أن يكون فاعلًا إقليميًا يحمل همّ الجوار كما يحمل همّ نفسه. وهذا ما يجعل الحديث عن الدور المغربي في دعم القضايا التحررية، وعلى رأسها القضية الجزائرية، حديثًا عن سياسة دولة، لا عن مجاملة ظرفية.
منذ خمسينيات القرن الماضي، كان المغرب من أوائل الأصوات التي دافعت دوليًا عن حق الشعوب المغاربية في الاستقلال. ويكفي التذكير بالزيارة التاريخية التي قام بها الملك محمد الخامس رحمه الله إلى الولايات المتحدة، حيث طرح بوضوح قضية استقلال المنطقة المغاربية، وفي مقدمتها الجزائر، في زمن كان فيه هذا الموقف مكلفًا سياسيًا ودبلوماسيًا.
هذا التوجه لم يبقَ في مستوى الخطاب السياسي فقط، بل تُرجم عمليًا على الأرض.
عندما وُلد مشروع الفريق الجزائري الثوري سنة 1958، في واحدة من أكثر مراحل الصراع حساسية، لم يتردد المغرب في فتح أراضيه، ملاعبه، ومؤسساته الرياضية أمام هذا المشروع. لم ينظر المغرب إلى الأمر من زاوية المنافسة أو الربح الرياضي، بل من زاوية المسؤولية الأخلاقية والإقليمية.
فوق الأراضي المغربية، شهد العالم أول ظهور علني للكرة الجزائرية الحرة، وفي الملاعب المغربية رُفع العلم الجزائري في سياق رياضي رمزي، سبق الاعترافات الرسمية الدولية.
والأهم من ذلك، أن هذا الاحتضان لم يكن بلا ثمن. فقد تحمّل المغرب ضغوطًا داخل الإطار الإفريقي، وتعرّض لعقوبات رياضية، وصلت إلى توقيفه عن المشاركة لفترة زمنية، ومع ذلك لم يتراجع عن موقفه.
وتنقل الذاكرة السياسية والرياضية أن الملك محمد الخامس عبّر بوضوح عن استعداده لتحمل تبعات هذا الخيار، في رسالة مفادها أن دعم الجار في لحظة التأسيس أهم من أي مكسب رياضي ظرفي.
ولم يقتصر هذا الدعم على المؤسسات فقط، بل تجسّد أيضًا في المشهد الشعبي والثقافي. فقد شهدت مدن مغربية مظاهر ترحيب واحتفالات بفوز المنتخب الجزائري في بداياته، حتى في مباريات جاءت نتائجها على حساب المنتخب المغربي نفسه. في تلك اللحظة، كان الوعي الجمعي المغربي يرى أن انتصار الجار هو جزء من انتصار المنطقة المغاربية ككل.
وشاركت في هذه اللحظات الرمزية شخصيات ثقافية وفنية من العالم العربي والمغاربي، من بينها الفنانة الجزائرية الراحلة وردة، في تعبير إنساني عن أن الرياضة يمكن أن تكون مساحة فرح مشترك لا ساحة خصومة.
إن استحضار هذه الوقائع اليوم ليس بهدف المقارنة أو تسجيل النقاط السياسية، بل للتذكير بثابت أساسي في السياسة المغربية:
أن المغرب اختار دائمًا أن يكون سبّاقًا إلى المبادرة الإيجابية، حتى عندما يكون الثمن مرتفعًا.
المغرب اختار طريق الدعم بدل الاصطفاف،
وطريق الاحتضان بدل الإقصاء،
وطريق بناء الجسور بدل تعميق الفجوات.
وفي زمن تتغير فيه الخطابات وتتقلب فيه المواقف، تبقى هذه الصفحات من التاريخ شاهدًا على أن السياسة لا تُقاس فقط بالمصالح الآنية، بل أيضًا بالقيم التي تختار الدول أن تكتب بها صورتها أمام شعوب المنطقة والعالم.
وهكذا، فإن صورة المغرب في هذه المرحلة ليست صورة دولة تبحث عن تصفيق، بل دولة تصرفت بمنطق الدولة الكبيرة:
دولة تعرف أن الجغرافيا تجمع،
وأن التاريخ يُسجّل،
وأن الكرامة السياسية لا تُقاس بنتيجة مباراة.




