أطفال مصر والأمن المجتمعي

أطفال مصر والأمن المجتمعي
أحمد سلامة التهامي
تطالعنا بكثرة في الفترة الأخيرة عبر وسائل و منصات الإعلام المختلفة و كذلك عبر وسائل التواصل الإجتماعي ، أخبارعن اعتداءات جنسية يكون ضحايها للأسف من الأطفال ، والأكثر خطورة هو تكرارها و أماكن حدوثها ، حيث تمت تلك الوقائع بعدة مدارس داخل مصر، حيث أصبح الأطفال بغير مأمن في أماكن دراستهم التي من المفترض أن تكون أماكن حماية لهم مما أصاب الملايين من أولياء أمور الأطفال بالفزع و الخوف على صغارهم خصوصاً لو علمنا أن عدد الطلاب في مصر في العام الدراسي 2025-2026 قد تجاوز ال25 مليون طالب في مراحل التعليم المختلفة الأمر الذي يزلزل أمن مصر المجتمعي لا سيّما أن في حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال تتجاوز الأضرار حدود الفرد المتضرِّر بل تطول أسرته و المجتمع بأكمله.
لكن لابد من نسأل أنفسنا سؤال هام ألا وهو هل تحول الأمر من حوادث متفرقة إلى ظاهرة؟
للأسف إن تكرار تلك الحوادث الدنيئة سواءً في المدارس الحكومية أو المدارس الدولية يعد مؤشراً خطيراً على تحول الأمر لظاهرة ، وهو الأمر الذي لا يمكن الاستهانة به أو السكوت عنه بل يتطلب مواجهته دون الخوف من نظرة المجتمع ، فلابد من الاعتراف بتلك الظاهرة ،وإيجاد السُبل لعدم تكرارها ، والقضاء عليها خصوصاً أن الإحصائيات الصادرة عن المجلس القومي للأمومة والطفولة في مصرتُشير إلى ارتفاع بلاغات التحرش بالأطفال بنسبة 35 % خلال العامين الماضيين كما أن المجلس القومي للطفولة والأمومة رصد خلال الفترة الأخيرة زيادة ملحوظة في البلاغات المتعلقة بالاعتداءات الجنسية والتحرش بالأطفال، خاصة عبر خط نجدة الطفل، مؤكدة أن هذه الزيادة ترتبط بارتفاع الوعي وشجاعة الأسر في الإبلاغ، وتوسع حملات التوعية، وتحسن آليات الرصد، وليس بالضرورة بارتفاع معدل الجريمة، و الرقم و إن كان كبير إلا أنه أقل من العدد الفعلي للحالات التي لم تقم ببلاغات و التي لا تقل عن ضعف هذا العدد .
لكن ألا يتوجب علينا أن نسأل أنفسنا عن أسباب تلك الظاهرة ؟
بالتأكيد يوجد عدة أسباب لتلك الظاهرة منها Pedophilia disorder أو”الميل الجنسي للأطفال” و إن كان هذا الإضطراب مرضاً إلا أنه لايبرر للمصاب به تلك الأفعال القذرة لأن المصاب به لا يكون مسلوب الإرادة بل يخطط و ينفذ جريمة مكتملة الأركان ، كما لا يمكن إغفال ال internet “شبكة المعلومات” والدور السلبي التي تقوم به في التأثير على ضعاف النفوس ، فعن طريق وسائل الاتصال المعاصرة سهلت رؤية ونقل تلك الممارسات الشاذة و بالتالي تقليدها خصوصاً مع ظهور dark web ” الشبكة السوداء” و ما يحتويه من أنشطة غير قانونية و ممارسات شاذة وغير أخلاقية بلا رقابة أو محاسبة تُمكن مستخدميها من التواري عن أي سلطة تُحاسبهم كما تمكنهم من جني الأموال عبر بيع تسجيلات تلك الممارسات القذرة.
و نذهب إلى سؤال آخر وهو آثار تلك الممارسات على ضحاياها من الأطفال الأبرياء؟
إن تعرّض الأطفال للتحرش أو الإعتداء الجنسي قد يكون له آثار سلبية ممتدة خطيرة على المستوى النفسي، ومنها الإنعزال عن المجتمع بسبب تعرضهم لصدمة نفسية قوية، وشعورهم بعدم الثقة والوصم ، وقد يصبح الطفل في المستقبل هو نفسه الجاني حتى ينتقم لنفسه مما حدث له وهو صغير، أو يمكن أن يعتاد الأمر فيقوم بطلبه هو بنفسه فيما بعد، خاصة إذا تعرّض للتحرش لفترة طويلة ولمرات متكررة، كما يمكن أن يعتبِر المجتمع المحيط بالطفل أنه طفل موصوم، وقد يمنع الكثير من أولياء الأمور أبناءهم من التعامل مع هذا الطفل حتى لا يتأثروا بما قد يحكيه لهم عن الواقعة، مشيرة إلى أن هذا أيضاً قد يمنع الكثير من أولياء الأمور من الإبلاغ عن حالات التحرش بأبنائهم خشية وصمهم وانعزالهم عن المجتمع .
و يكون السؤال المُلِح هنا هو كيف نعالج الأطفال و كيف نحميهم مستقبلاً؟
البداية من تغيير المجتمع المحيط بالطفل، وإبعاده عن الدوائر المعتادة خاصة التي وقعت فيها حالات التحرش. كما يجب على الوالدين محاولة تعزيز ثقة الطفل بنفسه، عن طريق شغله بالعديد من الأنشطة، والحديث عن مميزاته ومكانته وسط عائلته وأقرانه، وعدم الحديث عن الواقعة، لأن الطفل قد ينسى هذه التفاصيل خاصة إذا كان في سن صغيرة، كما يجب سماع أي شكوى للأطفال و أخذها مأخذ الجد ، كما يجب ملاحظة أي تغيرات سلوكية أو نفسية تصاحب الطفل فقد تكون مفتاح الحياة الآمنه لهم و لغيرهم من الأبرياء ، و من المفضل خضوع الطفل للعلاج النفسي السلوكي للتخلص من الآثار النفسية و العصبية التي قد تلازمه ، و أيضاً تعريف الأطفال بأنهم ضحايا وغير مذنبون وأنهم قادرون على النيل مِن مَن آذاهم و عدم الخوف منه .
و يبقى سؤال هام و هو كيف نمنع تكرارها؟
بالنسبة للأسرة يتوجب على الأب والأم أن يقوموا بتوعية أطفالهم بشكل متواصل بشأن جسدهم والحدود التي ينبغي عليهم الحفاظ عليها، وألّا يقترب منه الآخرون. كما يجب عليهما أن يبنيا علاقة مع الطفل تقوم على الصداقة وكسر الحواجز النفسية، وأن يعتاد الطفل على إخبار أبويه عن أموره كلها دون خوف، لكي يحكي لهما إذا تعرّض لأي شكل من أشكال التحرش، حتى لا يقع فريسة لمثل هؤلاء الجناة الذين قاموا باغتصاب الأطفال لفترة طويلة دون أن يعرف الأهل ،
و بالنسبة للمدارس فلابد من عدة إجراءات أولها تأمين سلامة الطلاب عن طريق وجود كاميرات للمراقبة تغطي كل مكان بالمدرسة وألا يكون هناك أماكن غير مغطاة، وجود مشرفين سواء في الممرات أو الفناء أو دورات المياة و حافلات نقل الطلاب ، تغيير آليات اختيار العاملين مع عقد اختبارات للتأكد من سلامتهم العقلية والنفسية و مدى الملائمة للوظائف المتقدمين لها، وكذلك آليات متابعة ومراقبة بعد تعيينهم لضمان التعامل الجيد والمناسب مع الأطفال ، إطلاق حملات توعوية وأنشطة داخل المدارس لتوعية الطلاب حيال المخاطر المحتملة للطفل ، ضرورة تغليظ العقوبات في جرائم التحرش حيث تنص المادة 306 من قانون العقوبات على أنه يعاقب بالحبس “مدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تقل عن 3 آلاف جنيه ولا تزيد على 5 آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية،وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه ولا تزيد على 10 آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجني عليه” ، و حتمية تشديد العقوبات في جرائم هتك العرض فوفقًا للمادتين (268) و(269) بقانون العقوبات، فإنّ كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك، يُعاقب بالسجن المشدد، وإذا كان عمر من وقعت عليه الجريمة المذكورة لم يبلغ 18 سنة ميلادية كاملة أو كان مرتكبها أو أحد مرتكبيها من أصول المجني عليه أو من المتولين تربيته أو ملاحظته أو ممن لهم سلطة عليه أو كان خادما بالأجر عنده او عند من تقدم ذكرهم، أو تعدد الفاعلون للجريمة”، تكون العقوبة السجن المشدد مدة لا تقل عن 7 سنوات، وإذا اجتمع هذان الظرفان معا يُحكم بالسجن المؤبد ،
فلابد من تشديد تلك عقوبات هاتين الجريمتين لتصل إلى الخصي الكيميائي كما أقرت بعض الدول في تلك الجرائم ، أو أن تصل إلى الإعدام جزاءً على تدمير حياة طفل و إغتيال برائته و كل الآثار المدمرة التي ستلازمه طيلة حياته .
و أخيراً لم أذكر أمثلة على الحوادث التي تمت حفاظاً على مشاعر الضحايا كما لم أتطرق لتفاصيل الإعتداءات أو كيفية حدوثها وذلك لمدى البشاعة والقسوة التي كانت تتم بها، حفظ الله مصر و أطفالها و كل أطفال العالم .




