حزمة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية للحفاظ على اقتصاد مصر ومصالح مواطنيها

حزمة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية للحفاظ على اقتصاد مصر ومصالح مواطنيها
نهى عراقي
في ضوء التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة وما صاحبها من ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، وتقلبات في الأسواق العالمية، تتابع الحكومة المصرية الموقف بصورة مستمرة من خلال تنسيق كامل بين البنك المركزي والوزارات والجهات المعنية، حيث وجّه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بتفعيل آلية متابعة يومية لتطورات الأسواق العالمية، خاصة أسعار الطاقة والتدفقات المالية الدولية، بما يتيح اتخاذ إجراءات استباقية لحماية الاقتصاد الوطني وضمان استقرار الأسواق المحلية وانتظام إمدادات الطاقة واستمرار النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تعمل الحكومة على تأمين احتياجات الدولة من الطاقة من خلال متابعة جداول التوريد والتعاقدات القائمة للمنتجات البترولية بصورة يومية، والاستفادة من الترتيبات التعاقدية والتحوطات السعرية التي تم إبرامها مسبقًا، والتي تغطي جزءًا مهمًا من الواردات، بما يحد من تأثير الارتفاعات العالمية. كما يجري التنسيق مع الشركاء الدوليين في قطاع الطاقة لضمان انتظام الإمدادات ورفع معدلات الإنتاج المحلي خلال الفترة الحالية.
كما يجري التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي لتعزيز الموارد من النقد الأجنبي، من خلال التواصل مع المؤسسات المالية الدولية لتعجيل بعض الشرائح التمويلية المقررة، إلى جانب التحرك في الأسواق الدولية وتوسيع برنامج الطروحات الحكومية خلال الأشهر المقبلة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بما يدعم قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع المتغيرات العالمية الراهنة، مع مساندة الصادرات السلعية والخدمية، وضمان تنافسية الصناعة والتصدير.
وفي ضوء ما يحيط المشهد الدولي من درجة عالية من الضبابية وعدم اليقين بشأن مسار الأحداث خلال الفترة المقبلة، إلى جانب تباين التقديرات الدولية حول اتجاهاتها المحتملة، فقد قررت لجنة الأزمات المركزية اتخاذ حزمة من الإجراءات الاستباقية “المؤقتة” التي تستهدف تعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع هذه التطورات، وضمان استقرار الأسواق المحلية واستمرار توافر السلع والمنتجات البترولية، وذلك إلى حين اتضاح اتجاهات الأوضاع العالمية خلال الفترة المقبلة. وتتمثل هذه الحزمة في الإجراءات التالية:
= (تبدأ الدولة هذه الإجراءات بنفسها، حيث تؤكد الحكومة القيام فوريا) بتنفيذ إجراءات ترشيد الإنفاق داخل الجهات الحكومية والأجهزة التابعة لها، بما يعكس حرصها على تحمل نصيبها من أعباء المرحلة بالتوازى مع الإجراءات الأخرى التي سيتم اتخاذها، مع مراعاة البعد الاجتماعي في جميع السياسات المتخذة.
وفي هذا الإطار، تقرر البدء في تنفيذ عدد من إجراءات الترشيد داخل الجهات الحكومية وبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، مع مراجعة أنماط التشغيل في عدد من المشروعات والخدمات التي تعتمد بصورة كبيرة على السولار والمازوت والبنزين، وضبط إيقاع العمل بها بما يحقق خفضًا ملموسًا في الاستهلاك، دون الإخلال بانتظام الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
كما تم توجيه السادة المحافظين بالمتابعة الميدانية اليومية لملف ترشيد استهلاك الكهرباء، بما يشمل مراجعة أوضاع أعمدة الإنارة في الشوارع والميادين العامة وضبط توقيتات تشغيلها، ومتابعة إضاءة اللوحات الإعلانية واللافتات التجارية للتأكد من الالتزام بضوابط ترشيد الاستهلاك، مع اتخاذ الإجراءات الفورية اللازمة لضبط أي مخالفات في هذا الشأن.
وتأكيدا على حرص الحكومة على أن تتحمل جانبًا من إجراءات التعامل مع الأزمة، فقد صدر قرار رئيس مجلس الوزراء بشأن ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية، والذي يتضمن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتأجيل النفقات غير العاجلة، والحد من السفر والمؤتمرات والفعاليات ونفقات الدعاية، إلى جانب وضع ضوابط للإنفاق الاستثماري والتركيز على استكمال المشروعات التي قاربت على الانتهاء، بما يسهم في تعظيم كفاءة استخدام الموارد العامة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وفي ذات السياق، فسوف تشرع الحكومة فوريا في تنفيذ توجيه فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي لها، بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، لمنع استغلال الظروف الاستثنائية الراهنة لرفع الاسعار، أو التلاعب بها، لأننا، وكما أشار سيادته، في حالة شبه طوارئ، ويتعين ألا يتم التلاعب باحتياجات المواطنين المصريين.
= ورغم الإجراءات التي تتخذها الدولة للتعامل مع هذه التطورات، واستمرارها في تحمل جانب كبير من التكلفة الفعلية للطاقة، فإن حجم الارتفاعات التي تشهدها الأسواق العالمية يجعل من الصعب أن تتحمل مؤسسات الدولة وجهات التمويل هذه الزيادات بالكامل، الأمر الذي استدعى اتخاذ قرار بإعادة تسعير بعض المنتجات البترولية، كما نص عليه بيان وزارة البترول صباح اليوم. ويأتي هذا القرار بما يعكس جزءًا من التطورات العالمية في أسعار الطاقة، مع استمرار الدولة في تحمل جانب كبير من التكلفة، وذلك لضمان استقرار السوق المحلية واستدامة إمدادات الوقود خلال المرحلة الحالية، التي تشهد ارتفاعات كبيرة في أسعار المنتجات البترولية، وتكلفة النقل.
= وفي إطار الحرص على الحد من التداعيات الاجتماعية للتطورات الاقتصادية العالمية، تعمل الحكومة على تعزيز برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأولى بالرعاية، حيث تقرر مدّ العمل بقرار زيادة الدعم النقدي المقدم للمستفيدين من برنامجي تكافل وكرامة والأسر الأولى بالرعاية من حاملي البطاقات التموينية، الذي سبق الإعلان عنه ضمن حزمة الحماية الاجتماعية، لفترة إضافية تمتد لشهرين إضافيين، بما يسهم في دعم قدرة هذه الأسر على مواجهة الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الأزمة الإقليمية والعالمية الحالية، بما فيها ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة وتكاليف النقل والشحن.
= كما تعتزم الحكومة الإعلان مبكرًا عن حزمة تحسينات في الأجور والدخول للعاملين بالدولة اعتبارًا من العام المالي 2026/2027، تتضمن رفع الحد الأدنى للأجور بما يواكب المتغيرات الاقتصادية الراهنة، وذلك في إطار حرص الدولة على تعزيز القوة الشرائية للعاملين بالجهاز الإداري للدولة ومساندتهم في مواجهة التداعيات الاقتصادية العالمية.
= ستواصل الحكومة خططها وسياساتها المستقرة الهادفة إلى الاستمرار في توفير السلع التموينية الأساسية المدعومة، وضمان استقرار إمداداتها للفئات الأكثر احتياجًا.
= وفي الوقت ذاته، ستواصل إدارة سياسات تسعير الطاقة بصورة متوازنة تراعي البعد الاجتماعي، مع استمرار تحمل جزء كبير من الفجوة بين التكلفة الفعلية وسعر البيع المحلي للعديد من المنتجات والخدمات الأساسية، بما يضمن الحد من انتقال آثار التقلبات العالمية إلى المواطنين والحفاظ على استقرار الأوضاع المعيشية قدر الإمكان.
وتشدد الحكومة على المضى قدما فى مسار الإصلاح الاقتصادى والمالى، من خلال الانتهاء من وإقرار حزمة التسهيلات الضريبية الثانية، والتطبيق الكامل لتسهيلات الضريبة العقارية التى تم إقرارها مؤخرا، والعمل على تنفيذ إجراءات خفض زمن وأعباء الإفراج الجمركى، والانتهاء من إعداد موازنة العام القادم بشكل يضمن التوازن بين دفع النمو والنشاط الاقتصادى، خاصة الانشطة الصناعية والتصديرية، مع ضمان الانضباط المالى وخفض وتحسين مؤشرات المديونية وخدمة الدين، مع ضمان تعزيز المخصصات الموجهة لصالح قطاعات وأنشطة التنمية البشرية . كما تعمل الحكومة على تحسين بيئة الاعمال وتنافسية الاقتصاد المصرى بشكل متسق ومتكامل بالتوازى مع تعزيز وتيرة وسرعة تنفيذ برنامج الطروحات والانتهاء من تحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة، بالإضافة إلى زيادة تنفيذ مشروعات البنية التحتية وغيرها من المشروعات من خلال آلية الشراكة بين القطاعين العام والخاص. كما سيتم العمل على دفع الصادرات المصرية باعتبارها احد اهم محركات النمو خلال الفترة القادمة من خلال برامج مساندة إضافية ترتبط بتحقيق نتائج ملموسة.
كما أن السياسة النقدية ملتزمة باستهداف التضخم والعمل على خفض معدلاته، وفقا للمستهدفات المعلنة من قبل البنك المركزى، مع ضمان مرونة سعر الصرف بشكل يعكس آليات السوق، وبما يسمح بتوافر كافة مستلزمات الانتاج واحتياجات السوق المصرية.
وأخيرا، تؤكد الحكومة أن هذه الإجراءات “المؤقتة” تأتي في إطار تعامل مرحلي مؤقت مع ظروف استثنائية تمر بها الأسواق العالمية للطاقة، وأنها ستستمر في متابعة تطورات الأوضاع الدولية بصورة يومية، مع الاستعداد لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لإعادة النظر، في حالة تغير أوضاع أسواق وأسعار منتجات الطاقة عالميا إلى الأحسن، وذلك للحفاظ على استقرار الأسواق المحلية وتخفيف الأعباء قدر الإمكان عن المواطنين والقطاعات الإنتاجية.
وتُعول الحكومة في هذا الإطار على وعي المواطنين وتكاتف الجهود بين الحكومة والمجتمع لعبور هذه المرحلة الاستثنائية بأقل قدر ممكن من التأثيرات. وتؤكد الحكومة أنها تدرك تمامًا حجم التحديات التي تفرضها هذه الظروف الاستثنائية، ليس على الداخل المصري فقط،بل على مختلف الدول، وتقدر ما قد تفرضه هذه التطورات من ضغوط على المواطنين والقطاعات الاقتصادية. ومن ثم فإن جميع الإجراءات التي يتم اتخاذها في هذه المرحلة تأتي في إطار السعي للحفاظ على استقرار الأوضاع الاقتصادية وتأمين احتياجات المواطنين والدولة من الطاقة والسلع الأساسية، مع الحرص على أن تكون هذه الإجراءات مدروسة ومؤقتة بقدر الإمكان إلى حين اتضاح اتجاهات الأوضاع العالمية.
كما تؤكد الحكومة أن حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين ستظل في صدارة أولوياتها، وستواصل العمل على تخفيف آثار هذه التطورات قدر الإمكان، من خلال إدارة متوازنة للموارد المتاحة والتعامل المرن مع المتغيرات الدولية. وتدعو في هذا السياق إلى التكاتف المجتمعي وترشيد استخدام الموارد خلال هذه المرحلة، إيمانًا بأن قدرة الحكومة والمجتمع معًا على التعامل مع هذه الظروف الاستثنائية تمثل عنصرًا أساسيًا في تجاوزها والحفاظ على مسار الاستقرار والتنمية.




