مقالات

وحدة الحقيقة وتجلياتها في التاريخ الإنساني

وحدة الحقيقة وتجلياتها في التاريخ الإنساني

بقلم.. محمد لطيفي Mohamed Letifi

منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدم الإنسان أرض الوجود، لم يكن متروكًا لتيه المصادفة ولا لعشوائية المعنى. كان سؤال الأصل والغاية، سؤال الخالق والمصير، ملازمًا للوعي الإنساني، ينهض معه كلما نهض، ويخفت كلما غاب المعنى. ومن هنا جاء الدين، لا بوصفه قيدًا على العقل ولا عبئًا على التاريخ، بل باعتباره نداء المعنى الأول، والجسر الواصل بين المحدود واللامحدود، بين الإنسان ومرجعيته العليا.
غير أن أكثر ما أربك الفهم الديني عبر العصور هو الخلط العميق بين جوهر الدين من جهة، وصور الشرائع من جهة أخرى. فتوهم بعض الناس أن تعدد الشرائع يعني تعدد الدين، وأن اختلاف الأحكام دليل على اختلاف المصدر، مع أن الحقيقة – إذا ما نُظر إليها بعمق تاريخي وبصيرة فكرية – أكثر صفاءً واتساقًا.
فالدين في حقيقته الأولى ليس اسمًا تاريخيًا ولا هوية جماعية، بل هو معنى كوني شامل: الاستسلام لله، توحيدًا له، وخضوعًا لأمره، والتزامًا بالقيم الكبرى التي تحفظ الإنسان وتزكّي وجوده. بهذا المعنى كان الدين واحدًا منذ فجر الإنسانية، وسيبقى واحدًا ما بقي الإنسان محتاجًا إلى معنى يهديه. أما تعدد الأسماء والمصطلحات، فليس إلا تعبيرًا لغويًا وتاريخيًا عن مراحل هذا الدين الواحد في وعي البشر.
مع آدم عليه السلام تبدأ البدايات الأولى للوعي الديني. إنسان يتعلم، ويُخاطَب، ويُحمَّل مسؤولية الاستخلاف. لم تكن هناك شريعة مفصّلة ولا نظام معقّد، بل توحيد بسيط صافٍ، يناسب فطرة لم تتلوث بعد، ووعيًا لم تتشابك فيه المصالح ولا التصورات. كان الدين هنا بذرة أولى، تحتاج إلى الحفظ أكثر مما تحتاج إلى التقنين.
ومع تعاقب الأجيال، وتراكم التجربة الإنسانية، تسلل الانحراف شيئًا فشيئًا، فتحوّل الرمز إلى وثن، والمعنى إلى مادة، والوسيلة إلى غاية. عند هذه اللحظة التاريخية جاء نوح عليه السلام، لا ليؤسس دينًا جديدًا، بل لينقذ الدين القديم من الغرق في النسيان. كانت دعوته عودة جذرية إلى التوحيد، وصيحة أخلاقية قبل أن تكون خطابًا عقديًا: أن أعيدوا وصل ما انقطع بينكم وبين الله.
ثم يبرز إبراهيم عليه السلام في مشهد إنساني أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد الشرك مجرد جهل، بل أصبح منظومة فكرية وحضارية. هنا تتجلى الحنيفية الإبراهيمية بوصفها انتقالًا نوعيًا في مسار الدين؛ انتقال من التلقّي الوراثي إلى البحث العقلي، ومن التسليم الغريزي إلى الاختيار الواعي. فإبراهيم لم يرث التوحيد، بل اكتشفه، ولم يتّبعه تقليدًا، بل اعتنقه عن قناعة، فكان نموذج الإنسان الذي يصل إلى الله بالعقل والقلب معًا.
ومع موسى عليه السلام يدخل الدين مرحلة جديدة، مرحلة الجماعة المنظمة والتاريخ المكتوب. شعب له ذاكرة، وصراع، ونظام حياة يحتاج إلى تقنين. هنا لم تعد القيم العامة كافية وحدها، فكانت الشريعة التفصيلية ضرورة اجتماعية وأخلاقية. جاءت التوراة لتنظم العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والإنسان، في سياق خاص وزمن محدد. لم تكن هذه الشريعة خروجًا عن الدين الواحد، بل كانت صورته المناسبة لمرحلة معينة من تطور الاجتماع البشري.
غير أن الزمن، مرة أخرى، كفيل بأن يحوّل الشريعة من وسيلة إلى غاية، ومن روح إلى شكل. فغلب النص على المقصد، والظاهر على الباطن. عندها جاء عيسى عليه السلام، لا ناقضًا للشريعة، بل باعثًا لروحها. أعاد الاعتبار للقلب، للرحمة، للمحبة، ولتزكية الداخل، مذكرًا بأن الدين إذا فقد بُعده الأخلاقي تحوّل إلى عبء ثقيل، مهما بلغت دقته القانونية.
ثم جاءت اللحظة الجامعة مع بعثة محمد ﷺ، حيث اكتملت الدائرة وبلغ البيان تمامه. لم يكن الإسلام قطيعة مع ما سبقه، بل كان جمعًا وتصحيحًا وختمًا. جاء خطابًا للإنسان بما هو إنسان، متجاوزًا حدود العرق والجغرافيا، ومؤسسًا لشريعة مرنة، شاملة، قادرة على الامتداد في الزمان والمكان. شريعة خاطبت المقاصد قبل الوسائل، وثبّتت القيم الكبرى، وفتحت باب الاجتهاد لتظل حية متجددة.
وهكذا يتضح أن تعدد الشرائع لم يكن يومًا علامة تفرّق، بل دليل حكمة ورحمة، واستجابة لتدرّج الإنسان في وعيه ومسؤوليته. فالدين ثابت في جوهره، لأن مصدره واحد، والإنسان هو المتغيّر، تتبدل حاجاته، وتتطور قدراته، فتتنزل عليه الشرائع بقدر ما يحتمل.
ومن يدرك هذه الحقيقة، يتحرر من وهم الصراع بين الأديان، ويخرج من أسر التعصّب، ويفهم أن الرسالات جميعًا التقت عند جوهر واحد: أن يكون الإنسان عبدًا لله وحده، حرًّا من كل ما سواه. وعندها فقط يستعيد الدين مكانته بوصفه حلًّا أخلاقيًا وحضاريًا للإنسان، لا مشكلة تاريخية ولا عبئًا فكريًا، بل طريقًا مفتوحًا نحو المعنى، كما كان منذ البدء.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى