ظاهرة الطلاق الصامت.. القصة التي يعيشها الملايين

ظاهرة الطلاق الصامت.. القصة التي يعيشها الملايين
بقلم: نرجس قدا
في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتبدّل فيه أنماط العلاقات الأسرية، برزت ظاهرة خطيرة لا تُسجَّل في دفاتر المحاكم ولا تظهر في الإحصاءات الرسمية، لكنها تنخر في جسد الأسرة من الداخل، وتُعرف باسم “الطلاق الصامت”. وهو ذلك الشكل الخفي من الانفصال الذي يستمر فيه الزوجان تحت سقف واحد، بينما تنتهي العلاقة بينهما عاطفيًا وإنسانيًا، ليبقى الزواج قائمًا شكليًا بلا روح ولا مودة.
في هذا النوع من العلاقات، لا يغيب الطرفان جسديًا، بل يغيب الحوار، ويتلاشى الشعور بالأمان، وتختفي الشراكة الحقيقية التي يقوم عليها الزواج. يتحوّل البيت إلى مساحة مشتركة خالية من الدفء، ويصبح الصمت لغة يومية، والتجاهل أسلوب حياة، والبرود العاطفي واقعًا مفروضًا.
ويطرح هذا الواقع المؤلم سؤالًا جوهريًا: من يضحي أكثر في حالة الطلاق الصامت؟ الرجل أم المرأة؟
تشير التجارب الاجتماعية إلى أن المرأة غالبًا ما تتحمل العبء العاطفي الأكبر، إذ تختار الاستمرار حفاظًا على الأبناء أو خوفًا من نظرة المجتمع أو بحثًا عن استقرار ظاهري. تضحي باحتياجاتها النفسية، وتؤجل أحلامها الشخصية، وتعيش حالة من الصبر الصامت، تؤدي واجباتها الأسرية بدافع المسؤولية لا بدافع السعادة أو الرضا.
أما الرجل، فيواجه بدوره شكلًا مختلفًا من المعاناة، يتمثل في فقدان الإحساس بالانتماء داخل بيته، والانغلاق العاطفي، والانسحاب التدريجي من الحياة الأسرية. كثيرًا ما يهرب إلى العمل أو الصمت أو الانشغال الدائم، في محاولة لتجنب المواجهة أو التعبير عن مشاعره، فيتحول من شريك فعلي إلى حضور شكلي داخل الأسرة.
غير أن الضحية الكبرى في هذه المعادلة تبقى الأطفال، حتى وإن بدا المشهد الخارجي مستقرًا. فالطفل يشعر بالتوتر غير المعلن، ويلاحظ غياب الحوار والمودة، ويتأثر بالبرود السائد داخل البيت. ينشأ في بيئة تفتقر إلى النموذج الصحي للعلاقة الزوجية، ما ينعكس على تكوينه النفسي ونظرته المستقبلية للعلاقات الإنسانية.
الطلاق الصامت أخطر من الطلاق المعلن، لأنه يمدّد أمد المعاناة، ويجعل الألم متكررًا يوميًا، ويُبقي الجراح مفتوحة دون علاج حقيقي. إنه استنزاف بطيء للطاقات النفسية، وتآكل تدريجي لقيم الأسرة من الداخل، وتدمير هادئ لمعنى الاستقرار الأسري.
ولا يمكن اعتبار الاستمرار في علاقة خالية من الاحترام والمودة بطولة أو تضحية، بل هو في كثير من الحالات هروب من المواجهة وتأجيل للأزمة. فالتضحية الحقيقية تكمن في السعي الجاد للإصلاح، وفي بناء جسور الحوار، وفي اتخاذ قرارات شجاعة تحفظ الكرامة الإنسانية للطرفين، وتضمن بيئة نفسية سليمة للأبناء.
إن البيوت لا تنهار دائمًا بالصراخ والخلافات العلنية، بل تنهار أحيانًا بالصمت الطويل، وبالبرود العاطفي، وبغياب التواصل، وبالتعايش القسري الذي يحوّل الأسرة إلى إطار شكلي بلا روح.
لكن لا يمكن تحميل طرف واحد مسؤولية هذه الخسارة الإنسانية، فعندما يموت الحب داخل الزواج، يخسر الرجل والمرأة معًا، وتخسر الأسرة استقرارها، ويخسر المجتمع أحد أهم أعمدته الاجتماعية.
فالطلاق الصامت ليس مجرد مشكلة أسرية، بل ظاهرة مجتمعية تستدعي الوعي، والنقاش الصريح، والعمل الجاد لإعادة الاعتبار لقيمة الأسرة القائمة على المودة والرحمة والشراكة الحقيقية.




