مقالات

الغِيبة… جريمة صامتة تُرتكب باسم الكلام

الغِيبة… جريمة صامتة تُرتكب باسم الكلام

بقلم: د. نرجس قدّا

أتحدث اليوم عن الغِيبة، لا بوصفها سلوكًا عابرًا أو زلة لسان، بل كظاهرة اجتماعية متجذّرة، تمارس يوميًا في المجالس والمقاهي والمنصات الرقمية، وتُرتكب بهدوء مريب، وكأنها أمر طبيعي لا يستحق التوقف أو المساءلة. الغِيبة في حقيقتها ليست مجرد حديث عن الآخرين في غيابهم، بل هي اعتداء معنوي مكتمل الأركان، يُمارَس دون سلاح ظاهر، لكنه يترك جراحًا عميقة لا تُرى بالعين وتُحسّ بالقلب.

حين أقول غِيبة، فأنا أعني أن يُذكر الإنسان بما يكره، حتى وإن كان ما يُقال عنه صحيحًا. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن البعض يختبئ خلف ستار “الصدق” ليبرّر الطعن في الظهور. لكن الحقيقة إذا خرجت من نية فاسدة لم تعد فضيلة، بل تحولت إلى أداة تشويه وتصفية حسابات. ليس كل ما يُعرف يجب أن يُقال، وليس كل ما يُقال يكون في مكانه الصحيح، فالأخلاق لا تُقاس بصحة المعلومة فقط، بل بدوافع نشرها وأثرها على الآخرين.

وأنا أرى أن الغِيبة لا تولد من فراغ، بل من دوافع نفسية معقدة، أبرزها الغيرة، والشعور بالنقص، والرغبة في لفت الانتباه، أو محاولة إثبات الذات على حساب كرامة الغير. من يعجز عن بناء قيمته الخاصة، يبحث عن هدم قيمة الآخرين ليبدو أطول وسط الركام. إنها معادلة خاسرة، لأن من يرتفع فوق أكتاف الناس يسقط أسرع مما يتصور.

الغيبة كذلك مرآة تعكس مستوى الوعي الأخلاقي داخل المجتمع. حين تتحول إلى مادة للضحك، أو وسيلة للتقارب، أو موضوع للتسلية، فنحن أمام خلل ثقافي حقيقي. مجتمع يتسامح مع الغِيبة هو مجتمع يسمح بتآكل الثقة بين أفراده، ويزرع الخوف في العلاقات الإنسانية. فالإنسان الذي يرى الآخرين يُمزَّقون في غيابهم، يبدأ تلقائيًا في الشك بكل ابتسامة، ويتساءل بصمت: ماذا يُقال عني حين أغيب؟

وأخطر ما في الغِيبة أنها جريمة بلا ضجيج. لا محاضر تُحرر، ولا محاكم تنعقد، ولا أدلة تُعرض، ومع ذلك تُدمَّر سمعة، وتُكسَر قلوب، وتُهدم صورة إنسان في أعين من لم يعرفوه إلا عبر روايات مشوّهة. إنها اغتيال بطيء للشخصية، يتم على جرعات من الكلام، ويتراكم أثره حتى يصبح حقيقة مزيفة يصعب محوها.

أنا لا أكتب هذا المقال لأدين أشخاصًا بعينهم، بل لأدعو إلى وقفة وعي. لأن كل واحد منا معرّض في لحظة ضعف أن يكون طرفًا في الغِيبة، سواء بالكلام المباشر، أو بالصمت المتواطئ، أو بالاستماع المستمتع. وهنا يجب أن نقول بوضوح: الاستماع للغيبة مشاركة فيها، والصمت عنها حين نملك القدرة على إيقافها هو قبول ضمني باستمرارها.

الارتقاء الحقيقي يبدأ حين نُدرّب أنفسنا على ضبط اللسان، لا خوفًا من الناس، بل احترامًا للإنسان. يبدأ حين نسأل أنفسنا قبل أن نتكلم: هل هذا الكلام ضرورة أم فضول؟ إصلاح أم تشهير؟ نصيحة أم تشفّي؟ لأن الفرق بين النصيحة والغيبة ليس في الكلمات فقط، بل في النية، والطريقة، والغاية.

وأنا أؤمن أن المجتمعات لا تنهض بكثرة الشعارات، بل بثقافة أخلاقية يومية، تبدأ من التفاصيل الصغيرة: من مجلس نرفض فيه الخوض في أعراض الناس، ومن منشور نمتنع عن مشاركته لأنه يسيء، ومن موقف نختار فيه الكرامة بدل الإثارة، والوعي بدل الضجيج.

الغِيبة ليست ذكاءً اجتماعيًا، ولا مهارة كلامية، ولا وسيلة للتسلية. هي سقوط أخلاقي مغلّف بالكلمات، وضعف داخلي يبحث عن متنفس في تشويه الآخرين. الأقوياء لا يحتاجون إلى هدم غيرهم ليشعروا بقيمتهم، والواعون لا يتركون وراءهم سمعة محطمة ولا قلوبًا مثقلة.

وفي ختام هذا الطرح، أقولها بوضوح كإعلامية قبل أن أكون كاتبة رأي: الكلمة ليست مجرد صوت يُقال، بل مسؤولية تُحاسَب، وأثر يبقى. نحن نعيش في زمن تنتقل فيه الجملة أسرع من الحقيقة، وتنتشر فيه الإشاعة أسرع من الوعي، ولهذا يصبح الصمت عن الغِيبة أحيانًا موقفًا شجاعًا، ورفضها موقفًا أخلاقيًا راقيًا.

رسالتي لكل من يحمل قلمًا، أو منبرًا، أو حتى حسابًا على مواقع التواصل: لا تجعلوا المنصات مقابر للسمعة، ولا تحوّلوا النقاش إلى ساحة تشهير. الإعلام الحقيقي لا يصنع الانتشار من الفضائح، ولا يبني الشهرة على كسر الناس، بل يصنع وعيًا، ويزرع احترامًا، ويرفع الذوق العام.

أنا أؤمن أن المجتمعات القوية تُقاس بقدرتها على حماية كرامة الإنسان، لا بعدد المشاهدات ولا بضجيج التريند. وأؤمن أن الكلمة النظيفة قد لا تكون الأعلى صوتًا، لكنها الأطول عمرًا.

وهنا أضع هذه الرسالة أمام كل قارئ: اختر موقعك من المشهد…
إما أن تكون جزءًا من الضجيج،
أو جزءًا من الوعي.
إما أن تترك وراءك أثرًا يجرح،
أو أثرًا يُحترم.

بقلم: نرجس قدّا
إعلامية وكاتبة رأي

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى