مقالات

الاكتئاب المبتسم… الخطر الذي يمرّ بيننا مبتسمًا

الاكتئاب المبتسم… الخطر الذي يمرّ بيننا مبتسمًا

بقلم الاعلامية/ نرجس قدا

هناك وجوه تمرّ بيننا يوميًا مبتسمة، ضاحكة، حاضرة في كل المناسبات، تؤدي أدوارها الاجتماعية بإتقان، وتبدو قوية ومستقرة وناجحة. نراها ونظن أنها بخير، ونطمئن؛ لأن الابتسامة دائمًا ما تُعدّ علامة على السلام الداخلي، لكن الحقيقة أكثر قتامةً وعمقًا وصمتًا. تلك الابتسامة ليست دائمًا كما تبدو عليه؛ فخلفها قلب يخفق بالقلق، وعقل يغرق في الصمت، وروح تتآكل بصمت لا يلحظه أحد. هناك معارك يومية تُخاض خلف قناع من الضوء، معارك لا يعلم بها أحد، ولا يظهر أثرها في الخارج. هذا هو الاكتئاب المبتسم، الخطر الصامت الذي يمرّ بيننا مبتسمًا.
هذا المقال ليس مجرد تحليل لحالة نفسية، بل رحلة إلى الأعماق البشرية، حيث الضوء والظل يتعايشان في انقسام صامت، حيث تبدو القوة واضحة بينما الضعف مختبئ، وحيث كل ضحكة قد تكون إنذارًا أخيرًا. سنقرأ عن الثقافة التي تفرض الإيجابية القسرية، وعن المجتمع الذي يخاف من الاعتراف بالهشاشة، وعن الطريقة التي نتعلم بها أن نخفي الألم كي لا نُثقل على أحد. سنحاول أن نرى ما لا يراه الآخرون، أن نفهم ما يستعصي على الفهم، أن نصغي لما لا يُقال. وذلك لأننا غالبًا ما نكتفي بما يظهر، ونغفل عن عمق المعاناة التي تُعاش بيننا بصمت. الابتسامة ليست دائمًا أمانًا، والصمت ليس دائمًا رضا، والنجاح ليس دائمًا غيابًا للألم.
يمرّ الناس بيننا مبتسمين، فنطمئن لأن المظاهر تقول لنا إنهم بخير، وننسى أن بعض الوجوه تخفي وراء الضوء ظلامًا عميقًا لا نراه. بعض الأرواح تحمل حزنًا صامتًا بينما تتقن فن إقناع العالم بأنها بخير. ذلك القناع يجعلنا نغفل عن الألم لأنه يتقن التخفي؛ الوجه الذي يبتسم بينما القلب يئن. حين نقول “الاكتئاب”، نفكر في الظلام، والانعزال، والصمت، والدموع؛ نتصور الألم الصاخب، وننسى أن هناك نوعًا من الاكتئاب يعيش بيننا بصمت، ينجز أعماله، يحضر كل شيء، يضحك، يتحدث، يواسي، ويبدو متماسكًا بينما روحه تنهار. هذا هو الاكتئاب المبتسم، الغامض الذي لا يُعرف بسهولة، والأكثر خطورة أحيانًا؛ لأنه لا يطلب النجدة، لأنه يخفي ألمه حتى عن نفسه، لأنه يمرّ بيننا مبتسمًا ونحن لا نراه.
في عالم يقدّس الابتسامة ويعظّم النجاح، يصبح التعب نوعًا من الخطيئة، ويصبح الاعتراف بالضعف مقرونًا بالخوف من الوصم. نُعلِّم الناس أن يكونوا سعداء دائمًا، أن يضحكوا دائمًا، أن يخفوا ألمهم، فننشئ مجتمعًا يفرض القناع، ويزرع القلق من أن يظهر الإنسان على حقيقته. فتظهر الابتسامة كثوب مريح للآخرين، لكنها ثقيلة على صاحبها. يصبح التظاهر بالسلام الداخلي مهمة يومية شاقة، فتتكوّن انقسامات داخلية مؤلمة؛ جزء يظهر للعالم، وجزء ينهار في الخفاء. جزء يضحك، وجزء يبكي. جزء يقاتل كي يبدو متماسكًا، وجزء يتعب في صمت. هذا الانقسام الداخلي يخلق إرهاقًا مزدوجًا، جسديًا ونفسيًا، يجعل الشخص يعيش حياة مزدوجة؛ ينجز ويؤدي بينما قلبه يئن، ويتحوّل القناع إلى عبء لا يُطاق.
نسأل عن الآخرين، نرى الوجه، نقرأ الابتسامة، ونعتقد أننا فهمنا، لكننا غالبًا لا نرى ما وراء الصورة. نرى النجاح فنظن أنه دليل على الغياب التام للألم، نرى المرح فنظن أن كل شيء على ما يرام، نرى المساندة فنظن أن الشخص لا يحتاج مساعدة، ونغفل عن حقيقة أن البعض يعيش معارك داخلية لا يراها أحد، وأن تراكم الألم الصامت قد يؤدي إلى سقوط مفاجئ، ليس صدفة، بل نتيجة سنوات من الاختباء خلف ابتسامة، سنوات من تجاهل الرسائل الصامتة التي يرسلها القلب.
الابتسامة قد تكون إنذارًا، والصمت قد يكون صرخة، وكل لحظة تمرّ دون أن ننتبه قد تكون تراكمًا للألم. الإصغاء الحقيقي فعل إنقاذ. الذي يمرّ بيننا مبتسمًا ونحن لا نراه، يحتاج إلى أن نصغي بصدق، أن نطرح أسئلة حقيقية، أن نترك مساحة للضعف، أن نمنح الأمان النفسي. الاستعداد لأن نسمع دون أحكام، دون استعجال في تقديم الحلول، ودون التقليل من الألم، هو بداية الإنقاذ الحقيقي.
أحيانًا لا يحتاج الإنسان نصيحة، ولا حلولًا جاهزة، بل يحتاج فقط إلى أن يشعر بأن أحدًا يراه حقًا؛ لا يرى ابتسامته فقط، بل يرى تعبه، وارتباكه، وهشاشته الإنسانية. أن نقول لمن يبدو قويًا: هل أنت بخير فعلًا؟ أن نمنح من يضحك دائمًا فرصة أن يتوقف قليلًا، أن يتنفس، أن يعترف أنه مرهق… هذا ليس تدخّلًا، بل إنسانية.
الاكتئاب المبتسم لا يعني ضعفًا، بل يعني إنسانًا تعلّم أن يحمل ألمه بصمت. لكنه ليس مطالبًا بحمله وحده. لا ينبغي لأحد أن يعيش معركته الداخلية دون سند. فلننتبه، فلنصغِ، فلنخفف عن بعضنا هذا العبء الخفي. فإن بعض الذين يمرّون بيننا مبتسمين، ليسوا بخير كما نظن، ولأن كلمةً صادقة، أو حضنًا دافئًا، أو سؤالًا حقيقيًا… قد ينقذ روحًا من الانهيار.

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب.. كاتبة وشاعرة وقصصية وكاتبة محتوى.. وأبلودر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى